كذلك النظم أو مناهج البناء في بلاغة الخطاب قد أطبق العلماء على تعظيم شأنه كما يقول الإمام عبد القاهر فبتّوا (( الحكم بأنه الذي لا تمام دونه،ولا قوام إلا به، وأنه القطب الذي عليه المدار، والعمود الذي به الاستقلال ) ) (1) . ومن ثمَّ نجد الإمام لا يكف عن التذكير به وتصريف البيان عن مفهومه ومجالاته وأهميته في عمود بلاغة الخطاب.
وهو يفرق بين ضربين من النظم: نظم الحروف في الكلمة، ونظم الكلمات في الكلام. نظم الحروف في الكلمة ضرب من توالي الحروف في النطق، وليس ذلك التوالي في النطق له علاقة بمعنى الكلمة الذي دل عليه نطقها دلالة مباشرة . فواضع اللغة ـ عند الإمام ـ لو قال مكان"ضرب"الدال على حدث معين واقع من فاعل له قولَه"ربض"، وجعله هذه الصورة من ترتيب الحروف في النطق دالة على عين ما دلت عليه"ضرب"لما كان في ذلك ما يؤدي إلى فساد. وكأنه يذهب إلى أنَّ وضع الألفاظ بصيغتها التي هي عليها إزاء ما تدل عليه من المعاني ليس وضعًا موضوعيًا مرتبطًا بعلاقة حروف اللفظ بمعناه، فهو وضع عرفي اعتباطي، فالكلمة رمز دال على المرموز، وليس بينهما علاقة.
وكأني به يرمي إلى الردّ على أبي الفتح عثمان بن جني الذاهب إلى تعاقب الألفاظ لتعاقب المعاني، وأن هنالك علاقة بين ترتيب أصوات حروف الكلمة وترتيب أحداث ما تدل عليه، ومثّل لهذا بالفعل"بحث"وعلاقة البدء بحرف"الباء"، والتثنية بحرف"الحاء"، والانتهاء بحرف"الثاء"بترتيب أحداث الفعل نفسه، وحركة فاعله. فهو يرى أن هنالك توافقًا بين ترتيب أصوات حروف الكلمة، وترتيب أحداث الفعل، وأنَّ الوضع على هذا النحو ليس اعتباطيًا.
(1) الدلائل: ص80، ف74.