أما القول بهذا في نظم البيان القرآني، وأنه نظم في المعاني النفسية أولًا، فذلك مردود على الإمام عبد القاهر ردًا لا يعرف هوادة ولا تريثًا. القول بالمعنى النفسي في بيان الحق عز وجل لا نسلم لأحد به أبدًا، فهو فرية وقول على الله عز وجل بغير علم ولا سند من كتاب وسنة. ومثل هذا لا اجتهاد فيه، بل هو مما يتوقف فيه مع النصّ: القرآن والسنة.
والرأي القويم الذي لا غيره، أن كلام الله تعالى حقيقي بحرف وصوت ليس كمثله كلام العالمين، وآيات القرآن الكريم قاطعة بأن كلام الله ليس كلاما نفسيًا، كما تذهب بعض الفرق من أنه كلام نفسي لا لفظي، وأنه المعنى القائم بذاته، ليس له بعض ولا عدد، وأنه ليس من جنس الحروف والأصوات، وما نسمعه من تلاوة القرآن إنما سميت عباراته كلام الله لدلالتها عليه، وهى مخلوقة، أما النفسي فغير مخلوق …
كل ذلك غير قويم فليس هناك كلامان: كلام نفسي وكلام لفظي بالنسبة لله تعالى، وأنّ الأول منه قديم غير مخلوق والآخر مخلوق. بل كلام الله واحد، هو من صفات كماله، يتكلم به بحرف وصوت كما يشاء وكيف شاء ومتى شاء، ليس كمثله كلام أحد من العالمين. وهو الذي يقول: {وكلّم الله موسى تكليمًا} [النساء] ، فهذا التأكيد دال دلالة بينة على أن تكليمه حقيقة بحرف وصوت، سمعه موسى ـ عليه السلام ـ بإسماع الحق إياه، فالمصدر"تكليما"قرينة قاهرة على أنه كلام حقيقي مسموع بحرف وصوت، وليس معنى نفسيًا قائمًا بذاته.