يقول الإمام: (( واعلم أنَّا لا نأبى أن تكون مذاقة الحروف وسلامتها مما يثقل على اللسان داخلًا فيما يوجب الفضيلة وأن تكون مما يؤكد أمر الإعجاز، وإنما الذي ننكره ونُفيِّل رأي من يذهب إليه أن يجعله [أي البيان القرآني] معجزًا به [أي مذاق الحروف وسلامتها] وحده، ويجعله الأصل والعمدة … ) ) (1) .
وهذا الذي قاله الإمام جلي قويّ لا يتوقف فيه ذو حجا. وهو يقرر في موضع أسبق أنَّه لا يمنع (( أن يكون تلاؤم الحروف وجهًا من وجوه الفضيلة، وداخلًا في عداد ما يفاضل به بين كلام وكلام على الجملة ) ) (2) . ولكنه يمنع أن نجعله العمدة في المفاضلة بين العبارتين ولا تعرج على غيره، فدل هذا دلالة بينة على أن لاختيار اللفظ المفرد من حيث صوته وجرسه منزلة في الفضيلة، ولكنها ليست هي عمود الفضيلة وجرثومتها.
وأنت إذا ما عدت إلى مقالة له من قبل هذا في تبيان خصال تمام بلاغة الخطاب، التي هي حسن دلالة الكلام وتمامها ثم تبرجها في صورة بهية معجبة، رأيته يجعل طريق تحقيق هذه الخصال جانب منه من اختيار اللفظ الذي هو أخص بالمعنى وأكشف عنه وأتم له وأحرى بأن يكسبه نبلًا ويظهر فيه مزيّة. ومن العناصر المحققة للفظ هذه السمات الخمس ما يرجع إلى صوته وجرسه ومعناه الوضعي المتعين، فلولا تلك الفروق التي بين"جلس"و"قعد"، وبين"قام"و"وقف"لما كان اللفظ أخص بالمعنى وأكشف …
(1) الدلائل: ص522، ف609.
(2) الدلائل: ص59، ف50. ناظِرْه بفصل: في الوجه الذي له يقع التفاضل في فصاحة الكلام، ص200 من كتاب"المغنى في أبواب العدل والتوحيد"للقاضي عبد الجبار، ج 16، ت: أمين الخولي، ط سنة 1380هـ، بمصر.