فلم يبق بعد هذا البيان القاطع إلا أن يخلص الأمر في أن الألفاظ من حيث هي ليست مناط الفضيلة، وإنما هي مناط الفضيلة حين تسند إليها إذا كانت صياغة ونسجًا وتصويرًا. من رحمها يخرج المعنى الشعري/ البياني، وأن المعاني من حيث هي ليست مناط فضيلة، بل هي مناطها حين تكون معنى مصورًا مستولدًا من الصياغة والنسج والتصوير الفني، فالمعاني لا تستحسن إلا بمقدار ما فيها من تصوير. أما أنها حكمة وأدب خلقي ومعرفة عقلية غريبة نادرة، فذلك لا يقال. وكذلك استحسان لفظ لا يكون إلا بما كان له من أثر في تصوير المعنى، وما كان عاجزًا أو ضعيفًا في هذا فليس له من الفضل نصيب. وقد أكّد الإمام هذا الأصل، وهو: أن استحسان الألفاظ إنما يكون من أجل ما له من أثر في تصوير المعنى، تصويرًا يفوق به ما جانسه من المعاني، وقرّر في مفتتح"أسرار البلاغة"ذلك، وبين أنّ المثل الأعلى في استحسان الألفاظ فيه الجناس والسجع، وبين بيانًا شافيًا أن ذلك وما ضَارعه لن يحوز الفضيلة إلا بما له من أثر في تصوير المعنى. وكلامه في هذا ظاهر لا يخفى. بل قد ذهب إلى أن ترك الجناس والسجع في بعض المعاني والمقاصد يوقع عقوقًا بالمعنى، وإدخال الوحشة عليه، فيكون قبح الترك حينذاك كمثل تكلف الإتيان به حين لا يقتضيه المعنى (1) .
وإذا كان الإمام مقرِّرًا أن الفضيلة لا تكون إلا في المعنى المصور، ولا تكون إلا في الصياغة المستولد منها ذلك المعنى، فهل معنى ذلك أنه يجرد اللفظ الذي هو عنصر الصياغة، فتكون كلمة"مرآة"كمثل كلمة"سجنجل"تحسن هذه في موضع حُسْن تلك، حتى تحقق التأليف الخاص والتركيب والصياغة؟
واقع حال موقف الإمام عبد القاهر من الألفاظ المفردة بين جلي، وصريح سافر في موطن من الدلائل، وخفي دفين في آخر منه.
(1) انظر: أسرار البلاغة: ص14، ف12.