الصفحة 32 من 117

(( واعلم أنّ قولنا"الصورة"إنما هو تمثيل و قياس لما نعلمه بعقولنا على الذي نراه بأبصارنا، فلما رأينا البينونة بين آحاد الأجناس تكون من جهة الصورة، فكان تبيّن إنسان من إنسان، وفرس وفرس بخصوصية تكون في صورة هذا لا تكون في صورة ذاك، وكذلك كان الأمر في المصنوعات، فكان تبين خاتم من خاتم، وسوار من سوار بذلك، ثم وجدنا بين المعنى في أحد البيتين وبينه في الآخر بينونة في عقولنا وفرقًا، عبَّرنا عن ذلك الفرق وتلك البينونة بأن قلنا للمعنى في هذا صورة غير صورته في ذلك … ) ) (1) .

فهذا دال دلالة باهرة في أنّ مناط بلاغة الخطاب في معناه المصور المستولد من الصياغة والنسج والتصوير. ويزداد الأمر جلاء وتأطيدًا بقول: (( ومعلوم أنّ سبيلَ الكلام سبيلُ التصوير والصياغة، وأن سبيلَ المعنى الذي يعبر عنه سبيلُ الشيء الذي يقع التصوير والصوغ فيه، كالفضة والذهب يُصاغُ منهما خاتم أو سوار، فكما أنّ محالًا إذا أنت أردت النظر في صوغ الخاتم وفي جودة العمل ورداءته أن تنظر إلى الفضة الحاملة لتلك الصورة أو الذهب الذي وقع فيه ذلك العمل وتلك الصنعة. كذلك محال إذا أردت أن تعرف مكان الفضل والمزية في الكلام، أن تنظر في مجرد معناه، وكما أنا لو فضلنا خاتمًا على خاتم، بأن تكون فضة هذا أجود، أو فصّه أنفس، لم يكن تفضيلًا له من حيث هو خاتم. كذلك ينبغي إذا فضلنا بيتًا على بيت من أجل معناه، أن لا يكون تفضيلًا له من حيث هو شعر وكلام. وهذا قاطع، فاعرفه ) ) (2) .

(1) الدلائل: ص508، ف577.

(2) الدلائل: ص254، ف297.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت