الصفحة 30 من 117

يقول الإمام: (( قد أردت أن أكتب جملة من الشعر الذي أنت ترى الشاعرين فيه قد قالا في معنى واحد [أي غرض] وهو ينقسم قسمين:

قسم أنت ترى أحد الشاعرين فيه قد أتى بالمعنى غفلًا ساذجًا، وترى الآخر قد أخرجه في صورة تروق وتعجب.

وقسم أنت ترى كل واحد من الشاعرين قد صنع في المعنى وصوَّر.

وأبدأ بالقسم الأول الذي يكون المعنى في أحد البيتين غفلا وفي الآخر مصورًا مصنوعًا، ويكون ذلك إمّا لأنّ متأخرًا قصَّر عن متقدم، وإما لأن هُدِي متأخر لشيء لم يهتد إليه المتقدم … )) (1) .

ومن بعد ذكر الأبيات لهذا القسم يقول: (( ذِكْرُ ما أنت ترى فيه في كل واحد من البيتين صنعة وتصويرًا وأستاذية على الجملة ) ) (2) ، ويورد أبياتًا عدة لهذا القسم. ثم يأتي في الموازنة بين بيت للنابغة وآخر لأبي نواس، فيحكي خبرًا عن المرزباني، قائلًا: وحكى المرزباني، قال: حدثني عمرو الوراق قال: رأيت أبا نواس ينشد قصيدته التي أولها:

"أيها المُنْتَابُ عن عُفُرِه"

فحسدته، فلما بلغ إلى قوله:

تتأيّى الطيرُ غدوته ثقةً بالشِّبْع من جزره

فقلت له: ما تركت للنابغة شيئًا حيث يقول:"إذا ما غدا بالجيش"، البيتين، فقال: اسكت، فلئن كان سبق، فما أسأت الاتباع.

ويعلق عبد القاهر على هذا الخبر قائلًا: (( وهذا الكلام من أبي نواس دليل بين في أن المعنى يُنقل من صورة إلى صورة، ذلك لأنه لو كان لا يكون قد صنع بالمعنى شيئًا، لكان قوله:"فما أسأت الاتباع"محالًا؛ لأنه على كل حال لم يتبعه في اللفظ، ثمّ إنَّ الأمر ظاهر لمن نظر في أنه قد نقل المعنى عن صورته التي هو عليها في شعر النابغة إلى صورة أخرى، وذلك أنَّ هاهنا معنيين:

أحدهما: أصل، وهو علم الطير بأن الممدوح إذا غزا عدوًا كان الظفر له، وكان هو الغالب.

والآخر: فرع، وهو طمع الطير في أن تتسع عليها المطاعم من لحوم القتلى.

(1) الدلائل: ص489، ف570.

(2) الدلائل: ص500، ف572.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت