وكذلك إذا ما جاء عنه قوله: (( قد فرغنا الآن من الكلام على جنس المزية، وأنها من حيز المعاني دون الألفاظ، وأنها ليست لك حيث تسمع بأذنك، بل حيث تنظر بقلبك … ) ) (1) . وقوله: (( واعلم أن الداء الدويّ، والذي أعيى أمره في هذا الباب: غَلَطُ مَن قدم الشعر بمعناه، وأقلّ الاحتفال باللفظ … ) ) (2) .
فهذا ظاهره التعارض، ولكن الشيخ يريد أولًا بالمعنى الذي هو مناط الفضيلة: المعنى المصور، الذي هو نتاج الصياغة والنسج والتصوير، وهو المعنى غير المطروح في الطريق. وهذا يسمع قويًا في قول الإمام: (( … إنَّ ههنا أصلًا … وهو أن يعلم أن سبيل المعاني سبيل أشكال الحلي، كالخاتم والشنف والسوار فكما أن من شأن هذه الأشكال أن يكون الواحد منها غفلًا ساذجًا لم يعمل صانعه فيه شيئًا أكثر من أنْ أتى بما يقع عليه اسم الخاتم، إنْ كان خاتمًا، والشنف، إنْ كان شنفًا، وأنْ يكون مصنوعًا بديعًا قد أغرب الصانع فيه. كذلك سبيل المعاني أنْ ترى الواحد منها غفلًا ساذجًا عاميًا موجودًا في كلام الناس كلهم، ثم تراه نفسه وقد عمد إليه البصير بشأن البلاغة وإحداث الصور في المعاني، فيصنع فيه ما يصنع الصنع الحاذق، حتى يغرب في الصنعة ويدق في العمل ويبدع في الصياغة ) ) (3) .
فهذا من الإمام كاف في أنّ المعنى الذي ترجع إليه الفضيلة هو المعنى المصور المستولد من الصياغة والنسج والتصوير، وأن المعنى الأولي غير المصور معنى مطروح في الطريق لا تفاضل فيه. ويؤكد ذلك الفصل الذي عقده للموازنة بين المعنى المتحد واللفظ المتعدد، تجده مقرِّرًا أن التفاضل في المعاني المصورة وفي الصياغة، وليس في المعاني الأولية غير المصورة والأغراض الكلية، ولا في الألفاظ التي لم تحدث فيها صياغة ونسج فني.
(1) الدلائل: ص64، ف56.
(2) الدلائل: ص251، ف291.
(3) الدلائل: ص422، ف497.