وعن قوله (1) في شأن القائلين بأن بلاغة الكلام في لفظه: (( وذلك أنهم لما جهلوا شأن الصورة، وضعوا لأنفسهم أساسًا، وبنوا على قاعدة فقالوا: إنه ليس إلا المعنى واللفظ ولا ثالث، وإنه إذا كان كذلك وَجَبَ ـ إذا كان لأحد الكلامين فضيلة لا تكون للآخر، ثم كان الغرض من أحدهما هو الغرضَ من صاحبه ـ أن يكون مرجع تلك الفضيلة إلى اللفظ خاصة، وأن لا يكون لها مرجع إلى المعنى من حيث إن ذلك، زعموا، يؤدي إلى التناقض، وأن يكون معناهما متغايرًا وغير متغاير معًا. ولما أقروا هذا في نفوسهم حملوا كلام العلماء في كل ما نسبوا فيه الفضيلة إلى"اللفظ"على ظاهره، وأبَوا أنْ ينظروا في الأوصاف التي أتبعوها نسبتهم الفضيلة إلى اللفظ، مثل قولهم"لفظ متمكن …"، فيعلموا أنهم لم يوجبوا للفظ ما أوجبوه من الفضيلة وهم يعنون نطق اللسان وأجراس الحروف، ولكن جعلوا كالمواضعة فيما بينهم أن يقولوا"اللفظ"وهم يريدون الصورة التي تحدث في المعنى، والخاصة التي حدثت فيه، ويعنون الذي عناه الجاحظ حيث قال:"وذهب الشيخ إلى استحسان المعاني، والمعاني مطروحة وسط الطريق … وإنما الشعر صياغة وضرب من التصوير"، وما يعنونه إذا قالوا:"إنه يأخذ الحديث فيشنِّفه ويُقرِّطه، ويأخذ المعنى خرزة فيرده جوهرة، وعباءة فيجعله ديباجة، ويأخذه عاطلًا فيرده حاليًا") ) (2) .
فهذا دال دلالة بينة على أن اللفظ الذي ترجع إليه الفضيلة إنما هو صورة المعنى، وهي صورة لا تكون من أصوات الألفاظ وأشكالها، ولكن أساسها معاني هذه الألفاظ والعلاقات الروحية القائمة بين معانيها، وهي ما يطلق عليه الصياغة والنسج والتصوير. فاللفظ الفصيح البليغ عنده هو الصياغة والنسج والتصوير.
(1) سياق الكلام: ومَن أحاط بكلام الإمام علم … فإنّه ينبغي ألا يُفهم هذا مقطوعًا عن قوله ... وعن قوله ...
(2) الدلائل: ص482، ف561.