وإذا ما استبان أنّ الإمام لا يرجع بلاغة الخطاب إلى الألفاظ من حيث هي، ولا إلى المعاني من حيث هي، وإنما إلى تأليف الكلام وعلاقات عناصره وما يتولد منها. فإنّ ثَمَّ مقالات متناثرة في كلامه، قد يُحسب من ظاهرها أنه يرجع بلاغة الخطاب إلى اللفظ وحده، أو المعنى وحده. وذلك الحسبان لا يقع فيه المرء إلا إذا أخذ بعض الكلام وترك بعضه، ومن أحاط بكلام الإمام عَلمَ علم اليقين أن الإمام حين يقول عن تعليق الجاحظ مثلًا على موقف أبي عمرو الشيباني من البيتين: (( فأعْلَمك أنّ فضل الشعر بلفظه لا بمعناه … ) ) (1) ، فإنه ينبغي ألا يفهم هذا مقطوعًا عن قوله: (( … وجب أن نعلم قطعًا وضرورة أنهم وإن كانوا قد جعلوا الفصاحة في ظاهر الاستعمال من صفة اللفظ، فإنهم لم يجعلوها وصفًا له في نفسه، ومن حيث هو صدى ونطق لسان، ولكنهم جعلوها عبارة عن مزية أفادها المتكلم في المعنى؛ لأنه إذا كان اتفاقًا أنها عبارة عن مزية أفادها المتكلم، ولم نره أفاد في اللفظ شيئًا، لم يبق إلا أن تكون عبارة عن مزية أفادها في المعنى. وجملة الأمر أنا لا نوجب"الفصاحة"للفظ مقطوعة مرفوعة من الكلام الذي هي فيه، ولكنا نوجبها لها موصولة بغيرها ومعلقًا معناها بمعنى ما يليها … ) ) (2) .
(1) الدلائل: ص256، ف258.
(2) الدلائل: ص402، ف474-475.