الصفحة 26 من 117

فالتأليف الذي هو إقامة علائق الألفة بين الكلم، وهي علائق ليس مناطها أصوات الكلم، فهذه تشاكل لا تآلف، بل هي علاقات جُوّانيّة روحانية بين الكلم، أي: علائق في معاني نحوها، لا المعاني الوضعية لها: (( الأرواح جنود مجندة … ) )الحديث. هذا التأليف بين معاني الكلم هو مناط الفضيلة؛ لأنه من هذا التأليف يكون المعنى البياني، لا المعنى الإفرادي الوضعي للمفردات، والمعنى البياني هو الضالة المنشودة والبغية المرغوبة.

عبد القاهر يؤكد أن مرجع الفضيلة والمزية ليس إلى اللفظ في شكله وصوته، ولا في ما دلَّ عليه من معنى متعين وضعًا، ولا في دلالة ذلك الملفوظ اللساني على ذلك المعنى القلبي، فكل ذلك ليس فيه مصنعًا ولا اختيارًا، وليس للمتكلم دخل فيه، وكل ما ليس فيه مصنعًا واختيارًا لا تجد فيه فضيلة ولا تفاضلًا. يقول: (( لا فضيلة حتى ترى في الأمر مصنعًا، وحتى تجد إلى التخير سبيلًا، وحتى تكون قد استدركت صوابًا … فليس دَرَكُ صوابٍ دركًا فيما نحن فيه، حتى يَشْرُفَ موضعه، ويصعبَ الوصولُ إليه، وكذلك لا يكون تَرْكُ خطأ تركًا حتى يحتاج في التحفظ منه إلى لطف نظر، وفضل روية، وقوة ذهن، وشدة تيقظ … ) ) (1) . دلّ ذلك كله على أن مناط بلاغة الخطاب وأدبيته إنما هو تأليف عناصره، ليتولد من ذلك التأليف معنى بياني، هو الغاية والبغية.

(1) الدلائل: ص98، ف86.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت