المعنى الموجود في كل مكان ما شأن النقد الأدبي به وما بال أهله يحملون على أنفسهم البحث عنه في الشعر؟ والشعر صعب، طويل سلمه.
الأمر كما ترى غير دقيق، وما بينته من قبل هو القائم في موقف الجاحظ، المؤذِّن في الناس بالحج إلى الشعر، إذا ما أردنا معنى شعريًا لا يكون إلاّ من رحم الشعر، وإلا فمن حمل فوق نفسه، وأحرم من ميقاته إلى حرم الشعر، يبتغي حصى وحجرًا من بطحاء"منى"الشعر، فإنّ الحصى والحجر في كل مكان، وليس بالمقصور على بطحاء"منى"القصيد.
إذا ما كان ذلك شأن الأمر في الخطاب النقدي عند الجاحظ، وهو رائد من روَّاد النقد العربي، فإني متجاوز حقبًا من حياة تلك القضية، عاشتها خلال المنتصف الثاني من القرن الثالث الهجري حتى منتصف القرن الخامس الهجري، بتجاوز تلك الحقبة إلى الإمام عبد القاهر لتقف على موقفه من تلك القضية.
ولج عبد القاهر معترك تلك القضية في السياق المعرفي في عصره، وثَمَّ من يتنادى في طلاب العلم بأن بلاغة الخطاب في لفظه، وعلى الشاطئ الغربي من يتنادى في طلاب العلم عنده أن بلاغة الخطاب في معناه. فكان فريضة لازمة على مثله ألاّ يبيع ذوقه وعقله لأيٍّ منهما، وأن تكون الموعظة النبوية: (( لا يكن أحدكم إمعة … ) )قائمة بين عينيه، بل مغروسة في فؤاده، ولسان حاله يقول: سمعنا وأطعنا.
من هنا ولج الإمام معترك القضية: أيهما مرجع بلاغة الخطاب وأدبيته؟. ومن قبل أن ألج في تبيان صنيع الإمام في ذلك المعترك أحب أن يتبين شيء:
أيمكن أن يحسب حاسب أنّ الطائفة التي تقول إن مناط فضيلة الخطاب بلاغةً هو لفظه ما تتلقاه (1) منه الآذان، وليس لما تتلقاه القلوب قيمة في هذا الميدان؟
وأيمكن أيضًا أن يحسب حاسب أن الطائفة التي تقول إن مناط فضيلة الخطاب بلاغةً هو معناه ما تتلقاه منه القلوب، وليس لملفوظه وقرى الآذان قيمة في هذا؟
(1) أي: الذي تتلقاه.