أيمكن أن يكون في طبقة أهل العلم وطلابه من يمكن أن يقولها؟
إن يكن، فلا أظن أنه أهل لأن يعتد بقوله، ولا أن يلقى لقول مثله بالًا!
ما الأمر إذن؟
الأمر أنّ من يقول مناط بلاغة الخطاب: صياغته ونسجه وتصويره (لفظه) ، إنما يريد أن هذه هي التي يؤخذ من رحمها المعنى الشعري، الذي هو طِلَبةُ كل باحث في الشعر. فلما كان اللفظ هو معدِن ذلك المعنى، قيل إن بلاغة البيان في ذلك اللفظ الذي فيه ذلك المعنى، فهم ينظرون إلى المعدن الذي فيه الجوهر، وإنْ كانت العناية بالجوهر، وما المعدن في نفسه خواء من جوهر بذي قدر.
ومن يقول مناط بلاغة الخطاب: معناه الشعري، أي أنه هو الطِّلَبة ومنتهى الغاية ومطمح البصر، فالجوهر أحق بأن يكون مناط الوصف لا المعدن، وإن كان المعنى الجوهر لن يوجد إلا في ذلك المعدِن أبدًا. فلا تفاصل، وإن كان الجوهر هو القمين بالوصف.
الخلاف ليس جوهريًا، ولاسيما أنه لن يكون معنى شعري ألبتة إلا من خلال الصياغة والنسيج والتصوير الشعري. ولا يكون صياغة ونسج وتصوير خواءً من المعنى الشعري. فمن وصف اللفظ/ الصياغة لأنها المعدن ـ ويلزم لزومًا لا ينفك وصف الجوهر ـ فكأنه يرى أنّه من قبيل إثبات المعنى/ الوصف بطريق المجاز وعلاقته المحلية. ومن وصف المعنى الشعري لأنّه الجوهر ـ ويلزمه أيضًا لزومًا لا ينفك وصف المعدِن الذي لا يكون الجوهر إلا فيه ـ فكأنه يرى أنه من قبيل إثبات المعنى/ الوصف بالبلاغة للصياغة بطريق المجاز وعلاقته الحالية/ اللازم، فالمعنى حال في الصياغة ولازم لها، والصياغة محل المعنى وملزومه.
ومن أراد أن يقول اللفظ ولا سواه، أو المعنى ولا سواه، قاطعًا النظر عن العنصر الآخر، فذلك إنْ كان، فلا أخاله من أهل العلم الذين يؤخذ منهم أكثر مما يرد عليهم، بل من الذين يرد عليهم أكثر مما يؤخذ منهم، إنْ كان من أهل العلم بنقد الشعر، وإلا فهو ممن يرد عليه ولا يؤخذ منه في هذا.