الصفحة 20 من 117

إذا قيل، فإنّ ثَمَّ ما هو غائم في هذا: القرآن الكريم في هذه المرحلة من مراحل التدرج في التحدي أخرج المماثلة في المعنى من التحدي، والمماثلة هنا في أمر معين هو أن تكون معاني حق وهدى. ولكنه لم يقل إنها سور نظمها عقيم من أيِّ معنى، وإلا فماذا يكون النظم؟ أرأيت بيانًا منظومًا هو الخلاء من أيِّ جنس من أجناس المعاني ؟! دُلَّني عليه! إلاَّ أن يكون سمادير الثمالى، وهل ترى تلك السمادير نظمًا؟.

فالقرآن تحدى بأن يأتوا بعشر سور ذات نظم كنظم القرآن، وإن لم يكن جنس المعاني الذي في رحم النظم المأتي به من معدن الحق والهدى، الذي هو معدن المعاني التي في رحم النظم القرآني. فالقول بأنّ القول بالإعجاز النظمي للقرآن يمنع القائل به من تقديم المعنى على اللفظ قول مردود على قائله، وكل يؤخذ منه ويرد عليه خلا النبي صلى الله عليه وسلم.

هذا شيء، وآخر: أنّ القول بأن الجاحظ مقدم اللفظ على المعنى، أو المعنى أيًّا كان على اللفظ، هو في نفسه غير حقيق. الجاحظ لم يقدم شيئًا على شيء، هو يقدم الصياغة الشعرية وما تولد منها من معان شعرية في باب نقد الشعر على المعاني العقلية غير الشعرية، أي: التي لم تتولد من الصياغة، فهو إذن لم يقدم شيئًا من مكونات الشعر على شيء آخر من مكوناته. هو يقدم مكونات الشعر: صياغة فنية ومعنى شعريًا متولدًا منها على شيء ليس من مكونات الشعر، وليس من رحمه ولا جنسه، بل هو من رحم العقل وجنسه.

وببيان ما في العلة الأولى من كلام إحسان عباس يتبين لك ما في العلة الثانية والثالثة عنده من مجانبة الصواب؛ لأنهما بنيا على أنّ المفاضلة بين شكل خواء من أي معنى، وبين معنى ليس من جنس الشعر . فالمعاني التي هي قدر مشترك بين الناس جميعًا، ما شأنها بالشعر؟ وما شأن الجاحظ الناقد وكل ناقد أدبي بها؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت