الصفحة 19 من 117

في ضوء الذي بينته وبسطت فيه القول يتبين لك أنَّ إحسان عباس يتحدث عن المعاني غير الشعرية، ولا يتكلم عن موقف الجاحظ من المعنى الشعري الذي هو مستولد من الصياغة والنسج والتصوير الشعري.

وإذا كان الجاحظ ناقدًا أدبيًا لا يعتد إلا بهذا المعنى الشعري الذي لا تجده إلا في رحم الصياغة والنسج والتصوير الشعري، فكيف ينقد موقفه من المعاني المطروحة في الطريق؟ ما علاقة الناقد الأدبي بغير المعنى الشعري وما يتولد منه؟. وإذا كان الجاحظ قد جعل الشأن في الصياغة والنسج والتصوير الشعري، فذلك لأنها هي الحاملة في رحمها المعنى الشعري، هي عناية بالمعدن من عناية بالجوهر.

فقول إحسان عباس إن الجاحظ قلل من قيمة المحتوى غير دقيق، لأن محتوى الشعر الذي هو شعر هو المعنى الشعري، ولن يستطيع أحد اتهام الجاحظ بذلك، لأن عشرات المقالات في"البيان والتبيين"وغيرها صارخة في وجه المتهم بالضلالة، وفي مقدمتها مقالته في بيتي عنترة.

وتعليل إحسان عباس بأن قول الجاحظ بأن القرآن الكريم معجز بنظمه دفعًا لمقالة النظام بالصرفة، وأن من يقل بأن النظم هو المحقق الإعجاز لا يقتدر على أن يذهب إلى تقديم المعنى، إنما هو تعليل غير دقيق؛ لأن النظم الذي هو عمود الصياغة والنسج والتصوير البياني هو الذي يتولد منه المعنى القرآني، ولن يستطيع أحد أن يقول إنَّ المعنى القرآني مطروح في الطريق وإن الشأن للنظم، أيقولها عاقل ؟ القول بالإعجاز النظمي حال في جوهره أن معاني القرآن معجزة، إذ هي مستولدة من رحم النظم. وإذا قيل إن الله عزّ وجل لم يتحدَّ الثقلين بمعاني القرآن؛ لأنه قال في سورة"هود": {بعشر سور مثله مفتريات} ، وأهل العلم على أنها سور ليست معانيها من معدن الحق والهدى الذي هو معدن معاني القرآن، بل من معدن معاني الشعر القائمة على التخيل والهيام في كل واد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت