الصفحة 18 من 117

ولو أنك عدت فنظرت في تعقيب الجاحظ على صاحب البيتين اللذين عني بتقييدهما أبو عمرو الشيباني لرأيت أنَّه يؤكد أن صاحب هذين البيتين مسلوب صحة الطبع، وليس له من جوهر الشعر نصيب، وإن كان له من جوهر العلم والحكمة ومنطق العقل المجرد نصيب. هو صاحب معان عقلية مطروحة في الطريق، خارجَ حِمَى الشعر المنيع، فقير معدم من المعاني الشعرية الوليدة صنعة الفن، ومن ثَمَّ فإنه لن يقول شعرًا أبدًا، ولن يورث أبناءه شعرًا، ففاقد الشيء لا يورث أحدًا.

تلك هي حقيقة موقف أبي عثمان الجاحظ، وهي تبين لك أني غير ذاهب إلى ما ذهب إليه إحسان عباس في هذا، يقول أعزَّه الله تعالى: (( كل ما أراده الجاحظ من هذا القول"إنما الشأن …": تأكيد نظرية في الشكل، وأنَّ المعول في الشعر إنما يقع على إقامة الوزن … وبهذا التحيز للشكل قلّل الجاحظ من قيمة المحتوى، وقال قولته التي طال تردادها:"والمعاني مطروحة") ) (1) .

ويعلل إحسان عباس اتجاه الجاحظ ـ في زعمه ـ إلى الشكل بأسباب منها:

عدم متابعة أستاذه النظام في القول بـ"الصرفة"، وأنه عامد إلى القول بالنظم، ومن آمن بأن النظم حقيق برفع البيان إلى مستوى الإعجاز، لم يعد قادرًا على أن يتبنى نظرية تقديم المعنى على اللفظ.

أنَّ عصر الجاحظ كان يشهد بوادر حملة عنيفة يقوم بها النقاد لتبيان السرقة في المعاني بين الشعراء، ولا نستبعد أن يكون الجاحظ قد حاول الردَّ على هذا التيار مرتين: مرة بألا يشغل نفسه بموضوع السرقات كما فعل معاصروه، ومرة بأن يقرر أنَّ الأفضلية للشكل؛ لأن المعاني قدر مشترك بين الناس جميعًا.

سبب قائم في طبيعته: كان رجلًا خصب القريحة، ولا يعيبه الموضوع، ولا يثقل عليه المحتوى أيا كان لونه؛ ولذا فإنه كان يحس أنّ المعنى موجود في كل مكان، وما على الأديب إلا أن يتناوله ويصوغه صياغة متفردة (2) .

(1) تاريخ النقد الأدبي: 98.

(2) السابق: 98 - 99.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت