الصفحة 17 من 117

فهذه الصياغة والنسج والتصوير إنما هي صناعة ـ أي فن لا علم ـ أي: في الشعر خصوصية الفن الفارقة له عن"العلم"الذي هو نتاج عمل الفكر والعقل، الذي لا يعمل إلا في المعاني المجردة، أما"الفن"الذي روحه وجوهره وقوامه هو إشراق الفكرة من خلال الصورة، فهو نتاج عمل القلب ـ الإحساس والطبع ـ. فمن الضلالة أن تُطلب المعاني العقلية والحكم من الشعر الذي هو"الفن"، فمن فعل كان كمثل طالب حقائق العلم من الفن: ضلال في المنهج المسلوك، والمثابة المرجوع إليها، اكتسابًا للطَّلِبة والحاجة. ومن الضلالة أيضًا أن تستحسن شعرًا لما فيه من معانٍ عقلية وحكم ومعارف أنت واجدها في مظانها الرئيسة.

تلك هي حقيقة موقف الجاحظ من المعنى، إنه غير مستهين به، ولا يحقر طالبه ولا صانعه، ولكنه يأبى عليك أن يطلب الشيء من غير معدنه، وأنْ تَجعل مناط الفضيلة لشيء أمرًا هو ليس به مختص، بل قيامه من غيره أولى وأعلى.

وهو أيضًا لا يعلي شأن"الملفوظ اللساني"لذاته، بل يعنى بالصياغة والنسج والتصوير الفني في باب"الشعر"؛ لأن هذه هي معدن المعنى الشعري، وهو ـ أي الشعري ـ نعت تخصيص وتقييد، أي المعنى الذي لا معدن له إلا الصياغة والنسج والتصوير الشعري.

الجاحظ لم يكن متعرضًا لعلاقة اللفظ بالمعنى من حيث هما، ولكنه متعرض لعلاقة اللفظ"الصياغة الشعرية"بالمعنى"الشعري خاصة". أمّا القول بعلاقة الألفاظ بالمعاني في طور الوضع، فلا أظن أن أحدًا ذا معرفة وتعقل يقول بتفاصل ولا بتفاضل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت