الصفحة 16 من 117

و"جودة السبك"تشير إلى متانة النظم وإحكام العلاقات بين مكونات أدبية النص، وهذه الجودة حاملة معنى"الجود": كثرة العطاء واتساعه وامتداده، فالجيد ما ملك مقومات الجود بما يرجى منه، وسمحت به النفس،"فالجيم و الواو والدال"أصل دال على التسمح بالشيء وكثرة العطاء، كما يقول ابن فارس في"معجم مقاييس اللغة"، والسبك الذي هو التناهي في إنهاء الشيء بحيث يصير كله شيئًا واحدًا لا تفاصل بين مكوناته، فجود السبك إنما يكون بالمعنى المتولد منه: المعنى الشعري. ولما كثر استخدام كلمة الجود والجواد والجيد غفلت القلوب عن نبل معناها، ولم تعد تدرك أنّ الإجادة من الجود الذي هو سماح النفس بأفضل العطايا في كثرة واستمرار، ومنه سميت الخيل جيادًا.

مما سبق يتبين لك وجه تعليل الجاحظ قصر الاعتداد في الشعر بهذه الخصال الست الذي أشرت إلى شيء من معناه، قائلًا: (( إنما الشعر صياغة وضرب من النسج وجنس من التصوير ) ).

وهذه الصياغة والنسج والتصوير ليست عقيمة الرحم، بل هي الولود الودود، ونتاجها هو المعنى الشعري الذي غيره مطروح في الطريق، فأنت تجده في غير الشعر، أما المعنى المتولد من الصياغة والنسج والتصوير فذلك المعنى الذي لا تجده إلا في خزائن الشعر الممنعة الحصان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت