الصفحة 14 من 117

عدوك فاعلم أنني غير حامد

بسياحة تنساق من غير سائق

وتنقاد في الآفاق من غير قائد

جلاق تخطوها الليالي وإنْ بدت

لها موضحات في رؤوس الجلامد

إذا شردت سلت سخيمة شانئ

وردّت عزوبًا من قلوب شوارد

أفادت صديقا من عدو وغادرت

أقارب دنيا من رجال أباعد

مجنبة ما إن تزال ترى لها

إلى كل أفق وافدًا غير وافد

ومحلقة لما ترد أذْن سامع

فتصدر إلا عن يمين وشاهد

ذلك هو المعنى الشريف الذي يشرف ـ يبعد ـ عن أنْ تلامسه أيدي العامة. واسمعه إن شئت قائلًا:

سل مخبرات الشعر عني هل بلت

في قدح نار المجد مثل زنادي

لم أبق حلبة منطق إلا وقد

سبقت سوابقَها إليه جيادي

أبقين في أعناق جودك جوهرًا

أبقى من الأطواق في الأجياد

وحديث"حبيب"عن شعره وصنعته جدير بأن يكون مناط دراسة تحليلية ناقدة، فهو في ظني من أبدع وأمتع من تكلم عن شعره وصنعته. وأظن أن الوقوف عليه أولى من الوقوف على مقالة النقاد في شعره وحدها.

و"حبيب"ليس وحده الذي عني بذلك، فتلميذه"الوليد"معني بذلك، يقول البحتري:

أيذهبُ هذا الدهر لم ير موضعي

ولم يدر ما مقدار حلي ولا عقدي

ويكد مثلي وهو تاجر سؤدد

يبيع ثمينات المكارم والحمد

سوائر شعر جامع برد العلا

تعلقن مَن قبلي وأتعبن مَن بعدي

يقدر فيها صانع متعمل

لأحكامها تقدير داود في السرد

المهم أن المعنى الشريف الذي هو الرافد المقدم للشعر البديع عند الجاحظ، هو ذلك المعنى المتولد من الصياغة البعيدة عن أيدي العامة وعن عقول الدهماء.

ولما كان هذا المعنى الشريف لا يكون إلا من رحم الصياغة الشعرية نرى الجاحظ يقول: (( وإنما الشأن في إقامة الوزن، وتخير اللفظ، وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وفي صحة الطبع، وجودة السبك، فإنما الشعر صياغة وضرب من النسج وجنس من التصوير ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت