أيمكن لأحد أن يصم الجاحظ بأنه يهمل المعنى وأنه زعيم مدرسة اللفظيين (1) ، وهو الذي يؤذن فينا بقوله: (( إذا كان المعنى شريفًا واللفظ بليغًا، وكان صحيح الطبع، بعيدًا من الاستكراه، ومنزّهًا عن الاختلال، مصونًا عن التكليف، صنع في القلوب صنيع الغيث في التربة الكريمة ) ) (2) .
ألا تسمعه وقد جعل من روافد الاستحسان شرف المعنى، وشرف المعنى يعني به بلوغ المعنى ذروته في بابه، أي ليس مما هو في الدرك الأسفل أو الذي على طرف التمام، وكل معنى من المعاني، منه ما هو شريف عزيز لا يُنال من كل طامع، ومنه ما هو دانٍ قريب. فالشرف هنا هو علو منزلة في جنسه، وليس لأنه من جنس ما من المعاني، وهو شرف منزلة لا شرف جنس ونوع، فالذين يحسبون أنَّ النقاد حين يقولون بالمعاني الشريفة يريدون بها ما كان من معاني ذوي الحسب والمكانة من أهل البيان العالي، لم يكن حسبانهم مصيبًا. المعاني الشريفة هي ما قابل المعاني الدانية القريبة، وهي في باب معاني الشعر: المعاني الجمهورية التي تلامسها أنامل العامة والدهماء، وتعيث بها عقولهم. المعنى الذي تجده في بيتي عنترة اللذين سبق إيرادهما هو معنى جد شريف؛ لعلو منزلته، وبعده عن أنامل العامة وعقولهم إبداعًا وفقهًا.
واستمع في هذا ـ إن شئت ـ مقالة أبي تمام:
إليكَ بَعَثْتُ أبكارَ المعاني
يليها سائقٌ عَجِلٌ وحادي
جوائرَ عن ذُنَابَى القوم حيرى
هواديَ للجماجم والهوادي
شدادَ الأسْر سالمةَ النَّواحي
من الإقواءِ فيها والسِّناد
يذلِّلُها بذكركَ قرْنُ فِكْرٍ
إذا حَرَنَتْ فتَسْلَسُ في القياد
لها في الهاجس القدْحُ المعلَّى
وفي نظم القوافي والعِمَاد
واسمعه يشدو بمدحة أبي الحسين محمد بن الهيثم:
سأجهد حتى أبلغ الشعر شأوه
وإن كان لي طوعًا ولست بجاهد
فإن أنا لم يحمدْك عني صاغرًا
(1) ؟؟؟؟؟ انظر ص 8 من الأصل.
(2) البيان والتبيين: 1/83.