الصفحة 12 من 117

ونجد عبد القاهر في معرض نقضه استدلال اللفظيين بوصف أهل العلم اللفظ بصفات البلاغة يقول: (( … ولما أقروا هذا في نفوسهم حملوا كلام العلماء في كل ما نسبوا فيه الفضيلة إلى"اللفظ"على ظاهره، وأبوا أن ينظروا في الأوصاف التي أتبعوها نسبتهم الفضيلةَ إلى"اللفظ"مثل قولهم:"لفظ متمكن غير قلق، ولا نابٍ به موضعه"… فيعلموا أنهم لم يوجبوا للفظ ما أوجبوه من الفضيلة، وهم يعنون نطق اللسان وأجراس الحروف، ولكن جعلوا كالمواضعة فيما بينهم أن يقولوا"اللفظ"، وهم يريدون الصورة التي تحدث في المعنى، والخاصةَ التي حدثت فيه، ويعنون الذي عناه الجاحظ حيث قال:"وذهب الشيخ إلى استحسان المعاني، والمعاني مطروحة وسط الطريق، يعرفها العربي والعجمي والحضري والبدويّ، وإنما الشعر صياغة وضرب من التصوير". وما يعنونه إذا قالوا:"إنه يأخذ الحديث فيشنِّفه ويقرِّطه، ويأخذ المعنى خَرَزَة فيرده جوهرة، وعَباءة فيجعله ديباجة، ويأخذه عاطلًا فيرده حاليًا") ) (1) . فهذا دال على أن المعنى المطروح هو غير مصور، فكل معنى لا يتولد من الصياغة والتصوير الشعري هو معنى مطروح في الطريق تجده في غير الشعر.

الجاحظ لا يستهين بالمعاني من حيث هي، ولكنه لا يرى أن يستحسن الشعر لمعنى ليس خاصًا به، أي: معنى يمكن أن يكون في غيره، إنَّه يجلُّ الشعر عن أن يشارك غيره في العناية بما يقوم به غيره، فإذا ما رأيت شعرًا لا يُستحسن إلا لمعنى، ورأيت ذلك المعنى يكون في غير الشعر فلا قيمة لذلك الاستحسان. فالاستحسان لشعر من أجل معناه الذي لا يتولد إلا من رحِمه، فذلك هو الاستحسان الذي يعتد به وبمن صدر عنه.

القضية أن الجاحظ يأبى علينا أن نستحسن شيئًا لأمر ليس هو خاص به، فمناط استحسان كل شيء إنما ما كان به خاصًا، أما ما شاركه فيه غيره، واستُحْسِنَ من أجله فذلك قبح في الاستحسان، وإن كان الذي استحسنته في ذلك الشيء هو في نفسه حسنًا.

(1) دلائل الإعجاز: 482.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت