لذا فإنّ علماء المسلمين وطلاب العلم أحوجُ من غيرهم إلى هذه الدراسة ليتمكنوا من القيام بالواجبات الشرعية بوجهها الصحيح؛ لذا تجد أن المؤرخين من السلف كانوا علماء فقهاء كابن جرير الطبري، والحافظ الذهبي، وابن كثير وابن خلدون وغيرهم، وكانوا أعلم الناس بما مضى وبواقعهم الذي يعيشون فيه، رحمهم الله أجمعين.
ومما ينبه على وجوب معرفة الواقع وأهميته لأهل العلم خاصة، ما يلي:
1 -ما ورد في حديث قاتل المئة، حيث أفتاه الثاني -العالم- بترك أرضه؛ لأنه أدرك خطورة البيئة بعد أن عرف واقع البيئة.
2 -إخبار الله بهزيمة الروم بمكة قبل الهجرة لَفَتَ أنظارهم بهذه الآيات إلى واقع العالم من حولهم في زمانهم وإلى موازين القوى الدولية فيه؟، وهو ما نعبر عنه بالاهتمام بالسياسة الدولية والصراعات العالمية، إذ كانت الفرس والروم هما القوتين العظميين في ذلك الوقت.
وليس الاهتمام بالسياسة الدولية من باب النافلة، بل هو واجب أيضًا لما يترتب عليه من واجبات أملتها عالمية هذا الدين وعموم بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الخلق كافة، هذا العموم الذي ترتب عليه تقسيم الخلق إلى مؤمن وكافر، وتقسيم العالم إلى دار إسلام ودار كفر. قال تعالى: (لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) الفرقان 1، وقال تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) الأعراف 158.
3 -ما نبّه عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (مثلُ المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثلُ الجسد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسد بالسَّهَر والحُمَّى) متفق عليه. فهذا الحديث يدل بإشارته على وجوب معرفة أحوال المسلمين في العالم وواقعهم، على العالِم والعامي على السواء، للعموم الوارد في الحديث، وأن يهتم المسلم لما يصيب المسلمين في أي مكان، وأن يُعينَهم بنفسه أو بماله أو بدعائه، فمن لم يفعل ذلك فليس من هذا الجسد إذ لم يتأثر بما أصاب الجسد.
إلا أننا نرى قلة من أهل العلم مَن يتابع واقعه، وترى أكثرهم يتوارى من الواقع السياسي المرير إما إلى الاعتزال أو إلى أروقة مسائل شرعية لا تتعلق بنظام الحكم.
* وهذه أمثلة لأهمية معرفة الأحداث المعاصرة أو القديمة لطالب العلم:
1.إذا وقَعَت حادثة معاصرة ورأينا أهل العلم السابقين أفتوا بفتوى وأردنا الاستفادة منها فلا بد من معرفة ملابَسات حالتهم لنعرف مدى انطباق واقعتِهم على واقعتِنا.
2.تحريم تداول كتب تشتمل على الكفر الصريح أو بدع الضلالة موجودة في أسواق المسلمين الآن -كرسائل إخوان الصفا-.
3.كثير من رجال يقدمهم الطواغيت المعاصرون للأجيال الناشئة من المسلمين على أنهم عباقرة مصلحون، وإذا بحثت في تاريخهم وجدت أنهم مجرمون كان شغلهم الشاغل إفساد المسلمين وتخريب عقولهم (2) . وهذه المعرفة تترتب عليها أحكام منها:
أ) معرفة أوليائهم الذين يتبعون منهجهم.
ب) الحذر من ضلالهم وإفسادهم.
ت) تحريم النظر في كتبهم وتأثيم من يشارك في طبعها وترويجها.
4.ومن ناحية مقابِلَةٍ ... لتبريء ساحة من افْتُري عليه خاصة إن كان من الأفاضل؛ لأن الذب عن المسلم مطلوب.
5.والحكم بتصحيح حديث أو تضعيفه يستلزم النظر في تواريخ عدد من الرجال هم رجال سلسلة إسناد هذا الحديث.
* والناظرُ في تاريخ العالم وخاصة في الـ/500/ سنة الماضية -وهو ما يُسمى بالتاريخ الدولي الحديث- يَخْرُج بعدة نتائج، هي ثمرةُ دراسة هذا التاريخ، ومنها:
1 -أهم الحقائق المفسرة لأحداث التاريخ هي الاختلاف الذي أراده الله قدرًا بين الخلق، وما ترتب عليه من صراعات وتحولات على مرّ التاريخ، مع ما يترتب على هذا الاختلاف القدري من واجبات شرعية، وقد ذكر الله تعالى هذا الاختلاف في نصوصٍ كثيرة منها: