نتابع في الحلْقة الثانية من سلسلة خفايا التاريخ، وكنتُ وعدتُ أن أَتَحَدَّثَ بنُبْذَة عن أهمية دراسة التاريخ وفوائِده للمسلمين، وذكرتُ هناك فوائدَ أساسيةً لهذه الدراسة، وهي: تحصيلُ عبرة أو اكتسابُ خبرة أو إصدارُ فتوى.
1 -الفائدة الأولى: تحصيلُ العِبَر وتثبيت القلوب:
إن الاعتبار بما حَلَّ بالكافرين والعصاة، وسردُ قصصِ أهلِ الإيمان سواءٌ طاعاتهم، أو أخلاقهم أو صبرهم أو بلاؤهم وابتلاؤهم، أو جهادهم أو أيُّ شيء من فاضِل أعمالِهم فيه تثبيتٌ وتسلية.
وصقل القلوب وتليينها، ودفع المرء ليتشبه بأهل الصلاح والعلم والعمل مما يحتاجه المسلم الغريب اليوم.
فتشبَّهوا إن لم تكونوا مثلهم. . . إن التشبُّهَ بالكرام فلاحُ
بل ندب الله الكافرين إلى الاعتبار كما ندب إليه المؤمنين، فقال تعالى مهددًا للكافرين: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآَثَارًا فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَاتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ) غافر 21 ــ 22.
وقال الله تعالى تسليةً للمؤمنين وتثبيتًا لهم: (وَكُلًا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) . [هود 120] .
فعندما نسمع مثلًا في هذه الحلَقات عن جبن الجندي الأمريكي وهلعه وفراره وتواريه، وعن انتصارات إخواننا مع أن أسلحتهم وعتادهم بجوار الأمريكان لا شيء، وفوقَ هذا لا تجرؤ أمريكة اليوم أن تدخل مدينة صغيرة اسمها"الفلوجة"، هذا كله فوائده كثيرة للمسلمين لا تخفى حتى على غير المختصين في علم النفس.
مَن لم يَعِظْهُ الدهر لم يَنْفَعْه ما * راح به الواعظ يومًا أو غَدا
من لم تُفِدْه عِبَرًا أيامه * كان العَمى أولى به من الهُدى
2 -الفائدة الثانية: اكتساب الخبرات
بدراسة التاريخ تُعْرَف أسبابُ نهوض الأمم والدول، وأسبابُ سقوطها وتخلفها، وبدراسة التاريخ تُعْرَف طبائعُ الشعوب والبلدان، وبدراسة التاريخ يستفاد من أخطاء من سبقك لتتجنبها وتكمل المسير من حيث انتهى لا من حيث بدأ.
وكل هذا يرجع إلى حقيقةٍ واحدة وهي أن التاريخ يعيد نفسه؛ أي كلما وجد سبب معين ترتبت عليه نتيجة معينة، وهذا شيء دلت عليه نصوص الشريعة، ويثبته استقراء أحداث التاريخ، فأحداث التاريخ هي سنن الله الكونية القدرية، وهذه السنن ثابتة لا تتبدل .. قال تعالى: (سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) الفتح 23.
لذا تجد تدريس التاريخ العسكري جزءًا أساسيًا من مناهج التدريس في الكليات العسكرية، حيث تتم دراسة المعارك المختلفة، ولماذا انتصر هذا وهُزم ذاك؟
ولأجل هذه الفائدة كان أساتذة التاريخ من المشاركين الأساسيين في وضع استراتيجيات الدول، وتحديد متطلبات أمنها القومي.
3 ــ الفائدة الثالثة: إصدار الفتاوى والأحكام.
معرفة الواقع واجبة خاصةً على أهل العلم المتصدرين لإفتاء الناس في نوازلهم ومُلماتهم. إذ الفتوى هي معرفة الواجب في الواقع، فلإصدار فتوى في حادثة معاصرة لا بد من معرفة ملابسات الحالة كما ينبغي، قال ابن القيم رحمه الله في أكثر من موضع من كتابه"إعلام الموقعين": (إن الفتوى هي معرفة الواجب في الواقع) ، والواجب أي ما حَكَمَتْ به الشريعة، والواقع هو الحال المسؤول عن حكم الشريعة فيه.