(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) هود 118 ــ 119، وهذا الاختلاف عدة أنواع: منه ما يكون بين المسلمين بعضِهم بعضًا، وهو من أسباب تسلط الكفار عليهم، ومنه الاختلاف بين الكافرين بعضِهم بعضًا، ومنه الاختلاف بين الكافرين والمؤمنين.
والتاريخ الإسلامي هو الترجمة الواقعية للحقائق الشرعية، وجزء كبير منه هو تاريخ التفرق والاختلاف والتقاتل على الملك والسلطان مما أضعف هذه الأمة على التدرج، ومكّن للكافرين منها كالصليبيين والمغول الوثنيين، حتى تمكن الكافرون من تمزيق هذه الأمة إلى أشلاء ممزعة في هذا الزمان، قال تعالى (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) . [الشورى 30] .
وهذا التفرق والتقاتل هو مصداق قوله صلى الله عليه وسلم: (سألت ربي ثلاثًا ... وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمَنَعَنِيْها) رواه مسلم. ومقتضى ذلك أن لا يزال الاختلاف والتقاتل واقعًا في الأمة، وهو ما تؤكده أحداث التاريخ.
فإذا اختلف المسلمون وتقاتلوا سلّط الله عليهم العدو الكافر ( .... وإني قد أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنةٍ عامة وأن لا أسلط عليهم عدوًا ممن سواهم فيهلكهم بعامة حتى يكونَ بعضُهم يُهْلِكُ بعضًا وبعضهم يقتل بعضًا وبعضهم يَسْبِي بعضًا) (3) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم (إني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين، فإذا وُضِعَ السيف في أمتي لم يُرفع عنهم إلى يوم القيامة) (3) ، فاختلاف المسلمين وتقاتلهم قدر محتوم لامناص منه وتسلط العدو الكافر مترتب على ذلك.
-ومع ذلك فقد كانت هناك فترات مضيئة في تاريخ المسلمين وارتبطت هذه دائمًا بتجديد الدين وظهور السنة وقمع البدعة كما حدث في عصر عمر بن عبد العزيز ونور الدين محمود زنكي وغيرهم، فإنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، و (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) الرعد:11.
والتاريخ الدولي الحديث -شأنه شأن التاريخ كله- ما هو إلا سلسلة من الصراعات والحروب تَعقُبها معاهدات يعاد فيها ترتيب القوى في العالم، وسنةُ الله كما قال تعالى: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ) البقرة 251.
2 -أساس ما يَحُْكم علاقاتِ الدول ببعضها هو القوة، لا النياتُ الحسنة ولا المشاعر النبيلة، والسياسة الدولية هي سياسة القوة، واللغة المتداوَلَة فيها هي لغة القوة، وقد تُغَلَّفُ القوةُ أحيانًا بأَقْنِعة وقفازات ناعمة وكلماتٍ مَعْسُولة اسمها الدبلوماسية، ولكن تبقى القوة هي الموجِّهَ للدبلوماسية من خلف الأقنعة.
والقوة كما أنها تنفع في القتال فإنها تنفع في منعه وفي فرض الإرادة، وهذا يُسمى"سياسة الردع"-ومنه الردع التقليدي والردع النووي وحرب النجوم- والردع هو ما ذكره الله تعالى في قوله: (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) . ولأجل هذا:
أ) كان سباق التسلح بين الدول، وكانت الحرب الباردة بينها.
ب) ولأجل هذا فإن أمريكا مستعدة لدفع مئات ملايين الدولارات لجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق كروسيا وأوكرانيا لتفكيك أسلحتها النووية.
ج) وتَفْرِضُ أمريكا الحَظْر على الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، وعلى نقل التكنولوجيا التسليحية المتقدمة لمختلف الدول.
د) ووَضَعَت معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية لتُطَبَّقَ على غيرها من الدول -لا عليها ولا على حلفائها-، واختَرَعَتْ ما يُسَمى بالتفتيش الدَّوْلي على الأنشطة النووية للدول وذلك لتتحكم وحدَها وحلفاؤها بالردع النووي ولتبقى متربعة على عرش القوة في العالم، ثم تراها لا تتوانى في فرض العقوبات بواسطة الأمم المتحدة على من يخالف ذلك.
-ولأجل تحصيل القوة كانت الدول شديدة الحرص على التحالفات عند خوض المعارك؛ لأن التحالف يزيد القوة، وأستاذة التحالفات بلا منازع في القرون الماضية كانت بريطانيا، وتلقت أمريكا هذا الدرس منها وأتقنته: