الصفحة 35 من 36

فجهزْتُ له أبيات:"عين جودي ..."واستأنفت مع الشيخ قائلًا: لماذا لا نكتب ولو كلمات قليلات قبيل الأبيات، وما عليك إلا أن تصف لي شعورك حين وصلك خبر أبي أنس وأنا أترجمه إلى لغة البيان، فكان إلقاؤه حقًا متميزًا عن سائر إلقاءاته البطولية، لقد كانت أحاسيسه ومشاعره تخالط نبرتَه وهو يرثي رفيق دربه.

-وبعد هذا نسجْتُ أبياتًا عن أبي أنس رحمه الله كان مطلعها:

وردٌ تألق في بستان أحزاني*** جُرْحٌ تَفَتَّق من أعماق وجداني

19)وبُعَيْدَ مقتل أبي أنس رحمه الله بدأ احتكاكي الكثيف بكل الإخوة على اختلاف شرائحهم، وتنوع أطيافهم وأعمارهم؛ فالتقيتُ بأخٍ شاميٍّ دخل العراق جديدًا وراح يساررني بأمر حدث معه خلاصته أنه التقى قبل الدخول بأخ من الجزيرة العربية في مضافةٍ من المضافات وأثناء الطعام استفسر المُضيف -المنسق- الإخوةَ عن معتقدهم بابن باز وابن عثيمين فتبين له أن الأخ الذي من الجزيرة لا يكفرهما؛ فاستغرب المضيف من ذلك وعنف الأخ ونقل له عن الشيخ أبي مصعب أنه يكفرهما وأن من لا يكفرهما لا يدخل أرض الجهاد، فراح الأخ من الجزيرة بتعجب يقول:"يعني تمنعني من الدخول"؟ قال: نعم! وحقًا فعل ما توعَّده به فأرجعه من حيث أتى، لكنَّ الأخ الذي يحدثني خاف فلم يُفْصِح عن رأيه في القضية خشيةَ أن يُمْنَعَ هو كذلك من الدخول إلى بلد الجهاد والرباط وبوابة القدس بإذن الله تعالى.

وما لبثتُ أن رفعْتُ القضيةَ إلى شيخِنا رحمه الله -خاصة وأنه أوصاني أن أنقل له ما يحدث في الساحة خشية أن لا يتيسر لرعيته أن يوصلوا له بحكم اختفائه الأمني عنهم- فغضب غضبًا شديدًا وتوَعَّد الذي نقل على لسانه خلاف رأيه، وأمر نائبه أن يتحرى من الموضوع فإن ثبت على المضيف ذلك فسيُطْرَد من الجماعة، ثم قال لي الشيخ: صحيح أنني أراهما قد أضلا الأمة بفتاويهما لكني لا أكفرهما، ووالله لو أن الأخ الذي من الجزيرة لا يُكَفِّر"فهد"لما حَرَمْته من الجهاد، وقد دخل العراق كثير ممن لا يكفر الحكومة السعودية ثم حين بُيّنَت له الأدلة اقتنع بها لوضوحها.

20)ورغم أن الشيخ كان ينأى بنفسه أن ينكشف بصورته على كل الإخوة خشيةَ أن يتسرب خبرٌ فتأتي الطائرات وتَدُكُّ المناطق ويتضرر المجاهدون وسائر الناس رغم هذا إلا أنه كان مهتمًا بأحوال رعيته اهتمامًا فريدًا، وكثيرًا ما كان يبقى يدور إلى منتصف الليل يتابع بنفسه الثغور والسيطرات وتحركات الرعية وحال الناس، حتى أنني كنت أستسلم لأسر النوم كثيرًا وأنا معه في السيارة، وربما كان يتكلم فأدخل في غيبوبة النوم ثم أصحو وأخجل من نفسي ... ولكن ما الحيلة؟ فقد رُفع القلم عن ثلاثة.

وفوق هذا كان له وِردٌ من الليل لا بد أن يُنْجِزَه، إلا أنه لطولِ سهره يضطر أن يأخذ قسطًا من الراحة بعد صلاة الفجر ليستأنف الحركة صباحًا.

21)لقد كانت رعيته تحبه، والناس العوام معجبون به، فإذا ما جالسوه أسرهم بهدوئه ورزانة كلامه ورجولة أفعاله، حتى أن أمريكا بغبائها جربت أن تغريَ أحد رعيته لتدبير حادث اغتيال له بتقنيات عالية فهز برأسه ليطلقوه

فما أن أطلقوه حتى أخبر الشيخ بالأمر ... فسبحان الله ما أسخف تفكير جنرالات أمريكة! تظننا نقاتل لمال أو جاه، وما دَرَتْ أن دماء العقيدة تنبض بها شرايين جهادنا، وما دَرَتْ أنها لو تَمَكَّنَت من"الزرقاوي"فعندنا كذا وكذا زرقاويًا ولله الحمد فأمتنا أمة الجهاد وذروة سنام دينها الجهاد.

ودارت الأيام وقُتل الزرقاوي فظهر نَجْمُ خليفتِه الذي أثبتَ جدارةً قَلَّ نظيرُها، وأكادُ أجزم أن"كوندليزا رايس"الشمطاء ما صرحت بما صرحت به مؤخرًا من ثناءٍ عجيب على مَقْدِرَات الزرقاوي إلا لتُوْهِنَ من سطوع خليفتِه وتألقِه حتى أنه أنهكهم إنهاكًا، فما رأوا حيلة إلا أن يجربوا هذا الطُّعم: أن يرفعوا قدر الراحل عساه يُفَتِّتُ من عزيمة الجند بأن خليفته ليس كالراحل، مع أن خبرة خليفته واضطلاعه بأمور الحرب وفنون القتال ومعاشرته لرجالات الجهاد في العالم الإسلامي لهي بمكان! ولله الحمد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت