الصفحة 34 من 36

فما أن سَمِعَ نبأ أبي أنس حتى انفجر بكاء لدرجة أنه دَهشني! فما كنت لأتوقع منه كل هذا البكاء، ورحت أزيل غشاوات الشائعات بما استطعت من قوة بيان إلى حين تَبَيُّن الخبر، وجاء المساء، ودخل جنح الليل فَوَصَلَنا قرص فيه صور القتلى، فسارعت مع الشيخ إلى الحاسوب وبدأنا ننظر الصور واحدة واحدة، وقلوبنا تَدُقُّ تنتظر المفاجآت، حتى خرج الوجه النَّيِّر والأصبع الموحدة والتراب المهال عليه رحمه الله فعرفنا أنه حق.

لقد تجَلَّد شيخنا الراحل لهذا النبأ تجلدًا كبيرًا وكأني بدمعته قد احتبسها في محاجره ينتظر اختلاء منه بنفسه ليسكب كل ما جمَّعه فيهما، وسرعان ما وجهني إلى المضافات والمفارز وسائر الأحياء، وقال:"صارت مهمتك الآن صعبة"،

يعني في المجال الشرعي بعد فَقْدِ أبي أنس، وطلب مني أن أجوب المفارز وأرفع الهمة، وأخفف الأحزان ببلسم الآلام.

فانطلقت مستعينًا بالله، رغم صعوبة سد فراغٍ كان يَسُدُّه جبلٌ كأبي أنس، بلسانه السيال، ودعابته المرحة، وعلميته الطيبة، وأحمدُ الله أن تَيَسَّر ما لم يكن بالحسبان.

وبسبب الحادث المفجع أصدر شيخنا رحمه الله أمرًا بمنع كل الجوالات وانضبط الإخوة فكانت ضربةً موفقةً للعدو إذ استفاد كثيرًا من الجوالات فيما سلف؛ فعَجَبًا الآن لإخوة -وخاصة المهاجرين- كيف يستعملون الجوال والمعصية تكتنف المتصل لحظة بلحظة حتى يغلق السماعة ويتوب ويعزم ألا يعود.

لقد سَهَّل العدو سبل الاتصال لغاية يريدها، وما من أخ أُسِرَ إلا وحذر إخوانه في الخارج من خطر الجوال وضرره على العمل الجهادي.

وحسبنا عدد القتلى فإذا به حوالي الثلاثين، فما أكذب الإعلام، وما أكذب الجيش الأمريكي المفلس اللعين! وشتان ما بين الفريقين: المجاهدين والصليبيين؛ فالشيخ أبو مصعب أبى وبشدة ذات مرة نشر خبر فيه زيادة في عدد خسائر العدو عن الحقيقة، وقال بما معناه:"المسلمون ينظرون إلينا وينتظرون منا فلا يجوز أن نخونهم ونُلَبِّس عليهم كما يفعل عدونا".

18)وبعد تَبَيُّنِ خبر"أبي أنسٍ"وجَّه شيخنا الإعلاميين ليُجَهِّزُوا إصدارًا يتحدث عن"أبي أنس"وبدأ العمل، وكان مما استقرَّت عليه المشورة أن يتكلم كل واحد يعرفه من الأمراء بكلمة عنه، لكنَّ الشيخ لم تنفتح نفسه لأن يتكلم ولا بشِقِّ كلمة، وكان من رأي"أبي ميسرة العراقي"رحمه الله أن لا يتكلم الشيخُ بشيء وأن يُكْتَفى بكلام من يعرفه من سائر الأمراء.

وفكرتُ فرأيتُ خيرَ ما أتكلم فيه عنه أبيات من الشعر تعبر عن مشاعري وأحاسيسي؛ فاخترت أبياتًا من نسج أحد الشعراء المعاصرين، مطلعها:

"عينُ جُوْدِي بدمعك الرقراق *** واسكُبيه على أَعَزِّ الرفاق"

ثم تم إنهاء الإصدار، فطلبتُ من شيخنا أن يشاهده ليدلي بملحوظاته قبل نشره على الملأ، فجلس ووضعت الجهاز أمامه وراح يعطي الملحوظات من أول"الفلم"، وكانت سيما وجهه أقرب إلى الحزن والذبول، فلما وصل إلى فِقْرَة"عين جودي ... إلخ"تَغَيَّرَت ملامحُ وجهه وبدت علائم السرور والإعجاب عليه؛ فاهْتَبَلْتُ الفرصةَ وقلت له: أأعجبتك؟ فقال: نعم، والإلقاء جيد، فقلت: لمَ لا تأخذها أنت وتلقيها ... واسترسلْتُ أُذَكِّرُه بأن رفيقَ دربِه من حقه عليه أن يتكلم عنه ولو بشيء يسير .... -وكان الشيخ لا يريد التكلم لأنه يرى أن أي كلام لن يوفي حق صاحبه أبي أنس- فقال الشيخ بما معناه: لا .. لا ... الأبيات أنت قلتَها لن آخذها ... فورطْتُ نفسي وقلت له: لا عليك أنا أنسج أبياتًا جديدة فهذه ليست من نسجي. فقال: إذن آخذها شريطة أن تقول أنت غيرها، فوافقْتُ والسعادةُ ملأت أحشائي لأن شيخنا سيتكلم بشيء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت