الصفحة 33 من 36

15)وفي أوائل مرافقتي للشيخ رحمه الله دخل شابٌّ أردني يدعى"أبا عبد الله"من جديد إلى العراق، وكان شديد الحرص على مرافقة الشيخ كحارس شخصي، وعرفتُ أنه كان يعرف الشيخ من أيام أفغانستان، لكنَّ حرصه المتميز لَفَتَ نظري فسألته عن سر هذا الحرص، وعجيب هذه المحبة للشيخ رحمه الله، فذكر لي السر المؤثر وكان مما ذكره: أنه قبل أن يدخل في جماعة الشيخ أراد أن يختبر نفسية الشيخ فقال له وهم قريبون من الخلاء:"بالله بريقك [[1] ]"، املأ الإبريق رايح ورايح"، فقلت له: وماذا فعل الشيخ؟ -وهو أمير جماعة هناك في أفغانستان ويخاطبه أحدهم بهذه الطريقة المستفزة- فقال الشاب: ما كان من الشيخ إلا أن أخذه وملأه بكل تواضع دون أي تعقيب، وعندها قال الأخ في نفسه: هذا يستأهل أن أنضم إلى جماعته."

فسبحان الله ما ألطفه وأعظم تواضعِه وهضمِه لنفسه أمام إخوانه.

وأما ذاك الأخ فقد لقي ربه في غزوة أبي غريب التي قُتل فيها الشيخ أبو أنس الشامي، وكان قبيل خروجه إلى المعركة أوصاني إن حصل له شيء أن أكتب وصية لأهله وزوجته وأرسلها؛ لكني غفر الله لي انشغلت كثيرًا حتى

أتت أحداث الفلوجة الثانية وضاع جهازي مني، هذا فضلًا عن أني لا أملك عنوان أهله، لقد طار فرحًا حين علم أن زوجته تحمل مولودًا، وكان رحمه الله حديث عهد بزواج.

16)ومرةً كنت أتصفح"فلاشًا"فوقع نظره على مقالات للشيخ علي الطنطاوي [[2] ]الكاتب المعروف، فطلب مني أن أنزلها له على جهازه وأن لا أَضِنَّ عليه بأي شيء ينفع، فقلت في نفسي: سبحان الله رغم اختلافه مع الطنطاوي في المنهج إلا أن هذا لم يمنعه من الاستفادة مما برع فيه الطنطاوي من أسلوب في الكتابة، وكم يشبه هذا استفادة علمائنا القدامى من الزمخشري رغم اعتزاله، والحكمة ضالة المؤمن ... وهذا هو الإنصاف.

-الجزء الثالث-

17)تهيأَتِ الجموع صَوْبَ"أبي غريب"بقيادة القائد الشجاع"أبي أنس الشامي"ومعه من خيرة القواد الميدانيين لفك أسرى المسلمين الذين أسرهم الصليب وأعوانه ولم يقدم لهم العالَم الإسلامي والعالِم الإسلامي أكثر من اللسان، وكان الشيخ الزرقاوي رحمه الله يتفقد الإخوة عصر الخميس بسيارته فجاءنا"أبو أنس"ليودعنا ومد رأسه ليودع حبيبه الشيخ أبا مصعب، لقد كانت صفحة وجهه كالقمر المتلألئ حتى أنها لفتت نظري وقد انحدرت دموع الوداع منه فسألت"عبد الرحمن البصراوي"-السائق-: أكان أبو أنس يودع هكذا في كل مرة؟

لقد تسلل إلى نفسي شعور قوي أنه اللقاء الأخير بيننا، حقًا لقد جمع"أبو أنس"بين النقيضين عادة: الرقة والشجاعة، وهكذا كان الجيل الذي أعده نبينا عليه الصلاة والسلام: فرسان في النهار رهبان في الليل.

-وانطلقت الجموع وغادرنا مع الشيخ الراحل نتعشى في إحدى بيوتات الأنصار الذين أحبوه وأحبهم؛ وتجاذبنا أطراف الحديث وتطرقنا إلى القرضاوي ما له وما عليه، وإلى علاقة الشيخ السابقة بشيخ المجاهدين أسامة بن لادن وسبب عدم انضمامه في أفغانستان إليه، وأحداث"سبتمبر"... كانت جلسة غزيرة، وإذ بأمير الفلوجة يدخل علينا ليخبر الشيخ بالخبر المفجع! كمين من الأمريكان، وتَزامَنَ هذا مع إعلان الفضائيات -الجزيرة وغيرها- نبأ: مقتل /60/ عنصرًا من جماعة"التوحيد والجهاد"، فانقطعت شهيتنا للطعام، ولم يكن ثمة متسع من الوقت لاستجلاء الخبر فلا بد أن ننتظر على جمر الصبر إلى الصباح.

-جاء الصباح الثقيل وتضاربت الأنباء عن القتلى من ومن؟ كلنا يستجلي الحادثة ويستبين الخبر، ويستلهم من مولاه الصبر ... قُتل أبو عمار، وأبو محمد اللبناني ... وتضاربت الأنباء عن"أبي أنس"، وتوجَّهْتُ إلى"حي الشهداء"وإذ بأبي ميسرة العراقي هناك في زيارة

(1) - أي إبريق الماء، فالأخ كان يخاطبه بالعامية.

(2) - هذا الطنطاوي توفي، وهو غير المفتي المصري المنحرف الحالي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت