والزعتر"قصة وهي أن الشيخ"أبا أنس"رحمه الله كان مُغْرَمًا به حتى أنه أوصى بإحضار شيء منه من بلده"الأردن"فوصل"الزيت والزعتر"بعد مقتله رحمه الله، و"الزيت والزعتر"له مكانة خاصة عند إخواننا الشاميين من بين الأطعمة."
8)وكان إذا أرسل رسالة يقول عن نفسه مخاطبا لي في آخرها: أخوك الصغير يعني نفسه ... مع أنه أكبر مني سنًا وقدرًا، ولم يكن تواضعه من النوع الديكوري، ولكنه من قلب صادق فيما يبدو، ولم يكن يتشبَّعُ بما لم يُعْطَ؛ ففي أول جلسة ثنائية للنظر في صياغة أول بيان شاركتُ فيه كان إذا أراد تغيير كلمة أو جملة أو إضافةً أو إنقاصًا تراه يخاطبني بأدبٍ جَمٍّ ومن باب المشاورة.
9)وبينما كنا نقرأ معًا أحد البيانات لضبطه وتصحيحِه خرجَتْ معنا كلمة"منعرج"وقد ضَبطْتُ راءها بالفتح، [دعيني أُحَدِّثْكِ بأمرِنا ونحنُ في مُنْعَرَجِ اللَّوَى] ، فقال:"هذه أكيد خطأ وهي بالكسر"ثم أعقبها مباشرة بقوله مخاطبًا لي:"أصابت امرأة وأخطأ عمر"فقلت له: أراجعها.
وكان رحمه الله قد اعتمد في ضبطه هذا على تأكيدِ أحد طلبة العلم له أنها بالكسر -وقد سماه لي-، ثم راجعتها في"مختار الصحاح"فذكر أنها بفتح الراء، فالحمد لله على التوفيق.
فتأمل أخي القارئ هذا التواضع الفريد، والمداعبة اللطيفة لإخوانه، أين منها أولئك الذين يظنون شيخنا جهومًا عبوسًا عاشقًا للدماء كيفما كانت؟
10)ولا أزال أذكر حين استفتى أحدُ أمراء المفارز في واقعةٍ تعترضهم وهي أنه قد يأتي رجل مستحق للقتل شرعًا بسيارة وهو محمَّل بالبضائع ولكن معه طفل صغير -كأنه ولده- فإن لم يقتلوا الطفل فربما يُخْبِرُ عنهم العدوَّ
المحتلَّ ويدلُّ على المكان، وإن قتلوه مع أبيه نَجَحَت المهمة، ونقلْتُ الأمرَ لشيخنا فسارع بمنع هذا العمل متنازلا عن هذه الغنيمة كلها لئلا يُقْتَل الطفل.
11)حدثني سائقه ورفيقه"عبد الرحمن البصراوي"أن الشيخ في أحد أيام رمضان منذ ثلاث سنوات كان يتجول في السيارة لتفقد أحوال رعيته فلمح رجلين لا يعرفهما على قارعة الطريق وقد اقترب موعد الغروب فنزل وأفطر معهما، ولم يجد في هذا حرجًا، وهما لا يعرفانه.
12)وعلى إحدى سيطرات الإخوة مرت سيارة الشيخ فأوقفه المسؤول عن السيطرة وهو لا يعرف الشيخ، وأنزله من السيارة وسأله أسئلة، والشيخ مطواع له في كل هذا، وبعد أن مشى الشيخ عرف المسؤولُ عن السيطرة أن الذي كان يسأله هو الشيخ رحمه الله فخجل. -حدثني بها سائقه البصراوي كذلك-
13)كنت في جلسة معه والشباب يطلبون منه شريطًا كلَّ مدة ليشد العزيمة وينعش الروح وهو يعتذر ويدلهم على أشرطةٍ لغيره ثم قال بالحرف:"ما كنت يومًا أتوقع أن يحتاج الإخوة أشرطةً مني"! كان يرى نفسه دون أن يعظ هو غيره بأشرطة ... أسأل الله أن يأجره.
14)وما كنت لأنسى يوم أن تَبَيَّن له من كلامي معه أنه سرد في كتيب (واعتصموا) حديثًا بلفظ لم أره في الروايات -قبيل معركة الفلوجة الثانية- فسارع وقال: نبه الشباب واشطب عليها ... لا أنسى عينيه اللتين اقترب جفناهما من بعضهما وحرك رأسه وتكلم بصوت خافت متوشِّحٍ بالخوف من التقول على رسول الله: [هذا دين يا أخي، صححه] ، وكان من رغبات الشيخ أن أعيد تنقيح الكتاب وتخريج أحاديثه، وقد تيسر لي جزء جيد من هذه الرغبة منذ شهرين ولله الحمد، وتم توزيعه على الولايات ليدخل ضمن المقرر الدراسي، ومن فضل الله أنه تيسرت لي فيما بعد مراجعُ أوسع وتثبَّتُّ من رواية الحديث التي أَثْبَتَها شيخنا فرأيتُها واردة في كتب الحديث، فالحمد لله أولًا وآخرًا.