الاعتراض، وذكر لي أن"أبا الغادية"كان حاضرًا؛ فأرسلتُ لأبي الغادية أستَوْضِحُ وجه الحظر، وريثما يأتي الإيضاح كنت حذفتها من الكلمة سمعًا وطاعةً للشيخ رحمه الله رغم أني أراها جائزة بناء على أن الغارة في اللغة
تأتي بمعنى الخيل، وقولُنا:"يا خيل الله أو يا غارة الله"سيان؛ فكلاهما على تقدير محذوف يُعرف عند الأصوليين بـ"لحن الخطاب"كقوله تعالى:"واسأل القرية"أي أهلها.
ودارت الأيام والتقيت بأبي الغادية فاستوضحت منه القضية، فذكر لي أن الشيخ رحمه الله كان إمامًا في الصلاة وكان الشيخ المهاجر وأبو الغادية مأمومين به، فدعا الشيخ في القنوت"يا غارة الله ..."، فكان هذا سببَ إنكار الشيخ المهاجر؛ لأن القنوت لا يناسبه مخاطبة غير الله، فتَبَيَّنَت القضيةُ، ولله الحمد.
-الجزء الثاني-
5)في أول رمضان قبل ثلاث سنواتٍ كان الشيخ رحمه الله مُلْتَهِبًا شوقًا لإعلان نبأ انضمامه إلى"القاعدة"الكبرى، إلى حبيبه وأميره شيخ المجاهدين"أسامة بن لادن"، ولم أرَه حريصًا على شيء كحرصه ذاك، ولا أزال أذكر حين دخل بثوبه الأبيض الجميل يسألني عن صياغة البيان الذي أملى عليّ هو من قبلُ خطوطَه العريضة، وما أن جَهَّزْتُه حتى جلسنا في مجلس شورى كان منهم"أبو عزام"رحمه الله، و"أبو سفيان"أمير بغداد وقتَها، ثم توجَّه ساعي البريد لرفع نبأ الإعلان، وكَبَّر إخوة السلاح في الفلوجة ابتهاجًا؛ لقد كان خبرًا مفاجئًا للغاية، رغم أن إرهاصاته كانت من قبل.
-قلت في نفسي: مثلك فلْتكن الرجال، وتذكَّرْتُ حين سئل أحد تلاميذ مالك عن سبب بقاء موطأ مالك واشتهاره دون غيره من الموطآت فقال:"ما كان لله بقي"، نحسبه والله حسيبه.
-ولو لم تكن لشيخنا مَحْمَدة تُذْكَر إلا هذه لَكَفَتْهُ فخرًا، وهو الذي تألَّقَتْ وقتَها جماعتُه، وعلا اسمه، وراج شأنُه فصبَّ كلَّ هذا في نهر إعلاء كلمة الله بالوَحدة والجماعة؛ لتقوى الشوكة وتعلو الراية أكثر وأكثر؛ اعترافًا منه لأهل الفضل بالفضل، ولا يعرف الفضل لأهله إلا أهل الفضل.
6)كان شيخنا الزرقاوي رحمه الله يُحب شيخه"أبا عبد المهاجر"-فك الله أسره- ويُجِلُّه ويثني عليه ويَوَدُّ لو يأتي إلى العراق، وكانت قرائنُ الحال تَدُلُّ أنه لو أتى لأوكل إليه مسؤولية الهيئة الشرعية، وكان شيخُنا يحثني على تدريس الطلبة كتاب الشيخ المهاجر"أعلام السنة المنشورة في معالم الطائفة المنصورة"وكنا صورناه، وبداتُ تدريسَه للإخوة، هذا فضلًا عن كتاب"فقه الدماء"الذي كنا ننتظر وصوله إلى الفلوجة وقتَها ولم يصل إلى أن بدأَتْ معركة الفلوجة الثانية، وكان الشيخ ذكر لي أنه دَرَسَه عند الشيخ"المهاجر"أربعَ سنوات إن لم تخني
ذاكرتي ... ثم دارت الأيام ودخل الكتاب إلى العراق بعد أحداث الفلوجة الثانية وطُبِعَت منه نسخٌ كثيرة جدًا، تحت اسم"مسائل من فقه الجهاد"، وهو كتابٌ جيد قوي، جدير أن يلخَّص منه ويُدَرَّس للإخوة المجاهدين.
7)كان رحمه الله يتعامل مع سائقه ومن حولَه تعامُلَ الأخ لأخيه، وكثيرًا ما كان يُفَتِّتُ اللحم لإخوانه الجالسين على المائدة يعتني بهم، ويَرْفُق بحالهم فيَشُدُّ هذا من عزيمتِهم ويُشْعِرُهم بدِفْء الأخوة في مثل هذه الأجواء الحساسة، وبنحو هذا الفاكهةُ -إن وُجِدت- قد يقطعها قسمين بينك وبينه.
-ومعروف أن الشيخ رحمه الله كان يحب الجبن المعروف بـ"الكرافت"إلا أنني سمعت من أحد مرافقيه أنه ذات مرة أحضروه له فنهاهم عن إحضاره ثانية حتى يأكله كل الجنود.
-وكنتُ قبيل الفلوجة الثانية رأيت أحد الأمراء قد حار في أمره كيف يوزع كمية بسيطة من"الزيت والزعتر"على الجنود في"حي الشهداء"، فاستفسرته عن قصة هذا"الزيت والزعتر"فبين لي أن الشيخ رفض أن يأكل منه حتى يأكل منه الجنود، ولهذا"الزيت"