أحرجْته في السؤال فاعتذرتُ منه لكنه أكَّدَ مُبْتَهِجًا أن السؤال لا حرج فيه إلا أنه يُفكر! ربما لأنها أول مرة يُطرح عليه مثل هذا السؤال أو لحيرة قد تعتري المرء في اختياره لأول ثلاثة، أو .... ثم قال: فلان، وفلان، وأبو أنس. وكان الشيخ أبو أنس رحمه الله حاضرًا، -وأبو أنس رحمه الله معروف بفُكاهته ومرحه-، فما أَنْ سَمع هذه الكلمة حتى أَكَبَّ بوجهه وعَلَتْهُ سكينة وهدوء وكأن على رأسه الطير ... ثم استرسل الشيخ رحمه الله قائلًا: أثَّرت فيَّ رجولتُه!!!
-لقد كان الشيخان رحمهما الله يحبان بعضهما حبًا متميزًا، حتى أنني كثيرًا ما كنت أسمع الشيخ أبا أنس يدعو: اللهم اغفر لأبي أحمد [[1] ]وأم أنس؛ فأنْعِم به من وفاء.
-وقد حدثني شيخنا الراحل رحمه الله عن أوائل أيام لقائه بأبي أنس ودخوله في جماعة"التوحيد والجهاد"لَعَلِّي أذكرها فيما بعد.
2)تعرفت على الشيخ الحبيب أبي أنس الشامي وحصل انسجام متميز ولله الحمد، فطلب مني أن أُعِيْنَه في تدريس الإخوة الذين كانوا يُعَدُّون للتدريس والوعظ في أنحاء المناطق، وأثناء هذا ذَكَرَني عند الشيخ الراحل فأزمع الشيخ على لقاء خاص كان هو الثاني بيننا، وكان من تقدير الله أنني وقتَها اطلعت على تقصير من أحد الأمراء مع أحد الإخوة وكتبتُ مُجْمَل التقصير؛ فحين التقينا تجاذبنا أطراف الحديث حول العمل الشرعي وتطويره وأشياءَ أخرى وكاشفْتُه بأمر ذاك الأخ، وبينما كان يطلع على الملف انهمرت دمعتاه وقال لي: والله ما كنت أدري بما فعل، ولو دريت لفعلت بالأمير ما توعد به الأخ! فلله دَرُّه ما أحرصه على العدل وأبعده عن الظلم!
ثم قال لي تلك الكلمة التي لا يزال صداها الرقيق في أذني:"أبا فلان، لا فراق بيننا"، وبعد قليل صعِدْنا السيارة وكان يجلس في الخلف حتى لا يراه أحد المارة وكان لا يفارق سلاحه، فسألني عن كنيتي -وكان اسمي غير الحالي- واستشففْت أنه يريد شيئًا فسألته: ما هي الأسماء التي تحبها؟ فقال:"ميسرة"، -وكنت كذلك أحب هذا الاسم-، فأخبرته أنني أحب هذا الاسم كذلك أكثر من الاسم الذي كنت متسميًا به، ثم قلت له:"ميسرة"أم"أبو ميسرة"؟ فقال:"ميسرة الغريب"، وقد كان الشيخ رحمه الله يحب كلمة"الغريب"وأخبرني وقتَها أنه لا يحب كنية"أبي مصعب الزرقاوي"لكنه اشتهر بها، وكان قد سمى نفسه في أفغانستان"أبو محمد الغريب".
وإلى الآن يلتبس اسمي"ميسرة الغريب"مع اسم الأخ العزيز"أبي ميسرة العراقي"رحمه الله.
3)وقبل وصولي إلى العراق حَصَلَتْ حادثة سمعتُ جزءًا منها من الشيخ وباقيها من غيره، وخلاصتها أن أحد الصحفيين الأجانب جاء بين الفلوجة الأولى والثانية يريد لقاء صحفيًا وقدَّر الله أن أبا أنس رحمه الله كان موجودًا -وكان يجيد الإنكليزية- فانبرى في الكلام ولم يُبْق ولم يَذر حتى ذكر وجود عرب مقاتلين، ولكن بعد فوات الأوان ... انتبه، ثم انصرف وجلس على أحد الأرصفة وإذ بأمير الفلوجة آتٍ فتفاجأ به واضعًا يديه على وجهه كهيئة النَّدْمانِ، فناداه: ما بك يا أبا أنس؟ فرفع وجهه وحرك رأسه قليلًا يمنة ويسرة ثم أعاد وجهه إلى يديه، فلما عرف شيخنا رحمه الله بالأمر أرسله إلى بيتٍ لئلا يَخرج منه حتى حين ووضع معه اثنين يؤمنان طلباته ... فلما طال المقام وأبو أنس رحمه الله لا يقوى أن يسمع صوت الرصاص والنيران حتى يركض نحوها يستطلع الأمر لما طال المُقام -والشيخ هو الذي يحدثني الآن بهذا- أرسل أبو أنس لشيخنا رسالة -وهو صاحب الكلمات الرائقة والتشبيهات الساحرة- وكان فيما قال له:"أنا خاتم في إصبعك"فرقَّ له الشيخ، وأذن له بالخروج، -رحمهما الله وجمع بينهما في الفردوس بخير-
4)ومرةً كتبْتُ فيما كتبْتُ: يا خيل الله اركبي ويا غارة الله جُدِّي السير مسرعة ... إلخ؛ فاعترَض رحمه الله على:"يا غارة الله جدي السير"وذكر لي عن الشيخ"أبي عبد الله المهاجر"أنه اعترض عليها لكنه لا يذكر وجه
(1) - إحدى كنى الشيخ الزرقاوي رحمه الله.