الصفحة 29 من 36

أُقَلِّبَ بطونََ مجلداتها وملفاتها لأعثر على كلِّ ما كتبتُه أو بداتُ بكتابتِه قديمًا مما ترتَّبَ وتناثر بنصِّه وفصِّه، فوقع نظري على ملفٍ كنت عنونته هكذا:"الشيخ الزرقاوي كما عرفْتُه"، ورأيتُني قد كتبتُ في مطلعِه:

[ارتأيت أن تكون هذه هي الحلْقةَ الأخيرةَ من سلسلة"خفايا التاريخ"، والتي لا يمكن أن أنشرها في حياة الشيخ؛ لأنه لن يرضى بها، وأما لماذا لن يرضى بها فلأنني كما عرفتُه لا يحبُّ الثناءَ، والسلسلةُ رغم أنني أنا الذي أصوغها ولكنْ لا بد أن أُطْلِِعَهُ عليها بعد انتهاء الصياغةِ حتى يصوبَ خطأً أو يُعَدِّلَ شيئًا، فأما هذه الحلْقةُ فلا أظنه يوافق عليها البتة.

-هذه الحلقةُ شئت أن تكون تسجيلًا لمواقفَ أعْجَبَتْنِي من الشيخ لِمَا فيها من عبرة، المواقفُ من حياته الشخصية لا الجهادية [[1] ] ، عَزَمْتُ أن أُسَجِّلها من أوائلِ أيامِ لقائي به، ولا أدري متى يَكْتُبُ لها الله الظهورَ أو متى يَكتبُ لها الله التَّوَقُّف، هل بعدَ لَحاقي بالدار الآخرة أم بعد لحاقه؟ ... والعلم عند الله]، اهـ.

-ودارَ الزمنُ دورتَه؛ حولًا، وحولين، وثلاثة، وسَبَقَني الشيخُ الأجلُّ إلى العالَم الآخرِ وتركَني وراءَه أذرفُ دمعةَ الوفاء وأمسحُ دمعة الذكريات، وقلمي من الدمعتين يَرْتَشِف؟

-لقد أَقَضَّنِي -كسائر المجاهدين- نبأُ مقتله فرثيتُه بقصيدةٍ كان مطلعها:

أَلَمٌ يُؤَرِّقُ مُقْلَتي وكياني *** فَيَدُرُّ دمعًا من ذُرا شرياني

-ومن عجيبِ الموافقات أنني بُعَيْدَ نبأ مقتله رأيته في رؤيا وقد تعانقْنا عِناقًا حميمًا، ثم قال لي:"أنا لم أَمُتْ"، فما كان مني إلا أن عرضْتُ عليه أن نتابع سلسلة"من خفايا التاريخ"، وأن نفتتحها بوصف شعوره في لحظات القصف، وكانت قرائن حاله تشير إلى الموافقة.

-وها هي ملفاتي بين يدي، وعناوين الحلقات التي لم يُكتب لها الظهور أمامي مع نُثارِ رؤوسِ الأقلام التي كنت أَقْتَنِصُها أثناء جلَساتي مع الشيخ، هذا فضلًا عن مواقف بيني وبينه أو جلسات أو مسامرات، ولكنْ أنَّى لذاكرتي أن تستحضر كل القصص، وكيف أنسقها في غمرة ضيق الوقت الحالي؛ خاصة وأن كثيرًًا منها ما عُدْتُ أذكر تفصيل إجماله، وطولُ العهد يُنْسي كثيرًا.

-فحِرْتُ أيَّ ثوبٍ أُلْبِسُه إياها لأخرجها لقرائنا الكرام، ثم رأيت الحل الأمثل -في مثل ظرفي- أن أَسْرُدَها سردًا هكذا بحسْب ما تُسْعِفُ به الذاكرة مما كنت كتبتُه وقتَها أو استحضرتُه الآنَ، ودون تقيُّدٍ بضابطٍ معين في عرضها، تاركًا لذاكرتي العِنان، ومُرْخيًا لقلمي ذيل البيان، حتى تكون أشبه بخواطر أو ذكريات في فِقْرات غيرِ مترابطات إلا برِباطٍ واحدٍ يتلخصُ بثلاث كلمات:"الزرقاوي كما عرفْتُه".

وإني بما سأكتبه لأرجو أن ألامس أهداب ذكريات شيخنا الغالي"أبي حمزة المهاجر"عساه يَجود علينا بقصصٍ فريدة جرت بينهما، كيف لا؟ وهما رفيقا درب، ورجلا قضية.

1)أول لقاءٍ بيننا: كان أول لقاء بيني وبينه مع مجموعة من الإخوة، وحين وصل إلى المكان الموعود كنا جالسين ننتظره، فلما دخل -ومعه ابن الجراح رحمه الله- بِزِيِّه الأسود وبَسْطَة الجسم التي آتاه اللهُ إياها مع البسمة اللطيفة وهو يسلم على الحاضرين تذكرت ما جاء في الشمائل المحمدية: (مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً هَابَهُ، وَمَنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةً أَحَبَّهُ) [[2] ]فقلت في نفسي: يقسم الله لمن يشاء شبهًا مع حبيبه خيرِ بني عدنان، عليه الصلاة والسلام.

وبدأ كل أخ يلقي عليه سؤالا أو استفسارًا ويجيب الشيخ -رحمه الله-، وكانت غالب أسئلة الشباب الجُدد عن العراق مستقبله وحاضره، فلما جاء دوري سألتُه: مَن أكثر ثلاث شخصيات أثَّرت عليك في حياتك؟ فسكت الشيخ قليلًا حتى خشيتُ أن أكون

(1) - رغم أن التفريق بينهما في مثل حياة المجاهدين اليوم يكاد يكون صعبًا.

(2) - سنن الترمذي، وإسناده ليس متصلًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت