فلا أُخْفِيْكم أنني مع علمي بخبثهم الدفين، إلا أنني في داخِلَتي كنت أقول: أوَمِنَ الحكمة العملية الآن الانشغالُ بالرافضة؟ وعلى التَّنَزُّل: أيُّ حكمة تُحَبِّذُ الإعلان بهذا على مسامع الناس المُغَرَّر بهم، كما فعل الشيخ"الزرقاوي"؟ ... أَوَلَيْس كثيرٌ من الكفارِ المجاهرين ممن لا يختلف في استحسان قتلهم كبيرٌ أو صغيرٌ من أبناء العالم الإسلامي .... أَوَلَيس هؤلاء أجدرُ بالمجاهرةِ بقتالهم؟
إنه أمرٌ -وقتَها- كان أقربَ إلى جلاء البدر في الليلة الظلماء ...
ثم لا تَفْتَأ ذاكرتي تسترجعُ من أرشيف المقروء رسالةَ الشيخ"الزرقاوي"إلى الشيخ"أسامة بن لادن"يُوَضِّح له فيها تكتيكَه في العراق، وأنه يسعى إلى إصعاد حرب الروافض الخفي إلى السطح ليصحوَ أهل السنة، فأقول في نفسي من جديد: سبحان الله! أيُّ مصلحةٍ من فتحِ جبهةٍ مكشوفةٍ اليومَ مع الروافض الذين انغمسوا في أمورٍ كفريةٍ حتى شحمةِ الأذنين؟!! كتحريف القرآن وتكفير الشيخين ... إلخ؟
أفكارٌ كانت تتناوشني من هنا وهناك كلما تناهى إلى سمعي خبرٌ يَمُتُّ إلى عمليةٍ ضدَّ الرافضةِ تتبناها"جماعة التوحيد والجهاد"، ثم أُراني كلما استرسلتُ ما أَلْبََثُ أُشَوِّش على بَثِّ أفكاري فأقول جازمًا:
لا بد أن في الأمر سرًا خافيًا، وبما أنني لستُ في الساحة العملية فليس من الحكمة الجزم بالحُكْم، ولأن أميرَ جماعة التوحيد والجهاد صاحب تجربة قديمة من أيام أفغانستان فلا يُظَنُّ به أنه يَخْفَى عليه مثلُ هذا الأمر الواضح ... إلخ ...
فعندها تهدأ التصادماتُ الفكريةُ عندي ثم تَعودُ أفكارُ التشويشِ مرةً أخرى مع خروج بعض الكتابات لرموز التيارِ الجهاديِّ تُلَمِّحُ إلى قريبِ التصريحِ باستنكارِ صنيع الشيخ"الزرقاوي"من الناحية العملية، كسياسةٍ شرعيَّةٍ، ثم لا أَلْبَثُ أنْ أُشَوِّشَ على بَثِّ أفكارِ التشكيكِ مرةً أخرى، ... وهكذا بينَ مدٍّ وجَزْرٍ فكريٍّ يَتْرُكُ سفينةَ القَرارِ بلا قَرار (3) .
أَعتَرِفُ آسفًا أنني كنتُ كثيرًا ما أضرب-من دون شعور أو انسياقًا رغمًا عني مع تيار الإعلام الهادر- أضرب مبادئنا الإسلاميةَ التي دَرَج عليها علماؤنا الأوائل وقرَّرَتْها كتبُ أهلِ"مصطلح الحديث"من أهل الاختصاص فيما يتعلق بضوابط التوثق من الخبر ... كنت أضربها عُرْضَ الحائط! ومن هذه المبادئ المعروفة:
* (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) . سورة الحجرات.
* (كفى بالمرء كَذِبًَا أن يُحَدِّث بكل ما سَمِع) (4) .
ومع أن الحقيقة أكبر مظلوم على وجه الأرض، إلا أن الله يأبى إلا أن يَكْشِف شيئًا قبل يوم الحساب قبل أن يُبَعْثَرَ ما في القبور ويُحَصَّلَ ما في الصدور.
حتى تشابكت الأحداث وساقَتْني رياحُ الأقدارِ العجيبةُ لألتقيَ بالشيخ"الزرقاوي"على نحوِ ما بَيَّنْتُ في الحلْقةِ الأولى من سلسلة"خفايا التاريخ".
وراحت الحقائق الموءودة تُخْرَج من قبر المجهول واحدة واحدة؛ فمنها ما يَقْلَع الأفئدة، ومنها ما يكسر الضلوع، ومنها ما يثير التساؤلات، ومنها ما يحرك شفتيك ويرفع حاجبيك تعجبًا رغمًا عنك، ومنها ما يُخرج من صدرك نفثة مصدور، أو زفرة مكلوم، ... وهلم جرًا، حتى ازددتُ يقينًا بعدالة تلك الكلمة وإنصاف من يطبقها:
"من جاءك وقد فُقِئَتْْ عينُه فلا تَحْكُمَنَّ له حتى ترى خصمه فلعله فُقِئَتْ عيناه".
فيا أنصارَ الحقيقة: إن كنتم صادقين في نصرتها، فتعالَوا هنا، وانقلوا ما ترونه بأم أعينكم أو ما تتوثقون من سماعه بأقلامكم ومُصَوِّراتكم، ولا تَشُمُّوا بأنوف الإعلام الغربي الخدّاع، ولا تنظروا بمناظير عملائهم في عالمنا الإسلامي.
ولئن لم تأتوا فالله حسيبكم، ولن أنتظركم، ولسوف أُخْرِج قدْر استطاعتي شيئًا من المدفون تحت ركام التاريخ، عسى أمتُنا أن تصحو، ووجهُ البدر أن يتلألأ بعد أن علته غيايات التعتيم والتكتيم أمدًا طويلًا، وعسى أهلُ الحق أن يعرفوا أهمية تجلية الحقائق لأبناء الأمة.