وأخبَرَنا الحق جل وعلا عن ضعف كيد الكافرين للمؤمنين الخُلَصاء في قوله تعالى: (فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) النساء 76، وفي قوله: (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ) آل عمران 111، وفي قوله: (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا) آل عمران 120، وهي سنة لا تتخلف، وإن حَصَل فلِتَخَلُّف أسبابها.
8 -والناظر في التاريخ يَرى الدمارَ الهائلَ الذي يَصُبُّه الله على الكافرين في مختلف البلدان -والذي لا يُقارَن أبدًا بالكوارث التي تُصيب المسلمين-، سواء كان هذا الدمار بسبب الحروب أو بسبب الظواهر الكونية كالزلازل والبراكين والفيضانات والأعاصير والصواعق وغيرها. وهذا الدمار الذي يَحُلُّ بالكافرين في الدنيا هو مصداق قوله تعالى: (وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَاتِيَ وَعْدُ اللَّهِ) الرعد 31، وقال تعالى: (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) السجدة 21. فانظر كيف يعذبهم الله في الدنيا قبل الآخرة لعلهم يتوبون؟ وهذا لا يتعارض مع إمداد الله لهم استدراجًا.
9 -الناظر في التاريخ -خاصة الإسلامي- يرى القواصم تتبعها العواصم، وهذا من لطف الله تعالى بعباده من ناحية، ومن ناحية أخرى لئلا ييئس عباده وليعلموا أنه قد يولد الأمل من رحم الألم، ولكي لا ينسوا أن الأصابع الملتوية قد ترسم خطًا مستقيمًا؛ فكم من رجل جَدَّد به الله الدين، وأحيا الشعائر، وكم من فئة قليلة غَلَبَتْ فئة كثيرة بإذن الله.
* كل النتائج السالفة تبين لك أهمية دراسة التاريخ، مع ربط وقائعه بالثوابت الشرعية التي يُحَصِّلها الدارس من دراسته الشرعية، وقد عَرَفْنا حكمَ دراسة الواقع من قبلُ، فما هي حقيقة واقع المسلمين اليوم باختصار؟
* حقيقة الواقع المعاصر بإيجاز:
حيثما يَمَّمْتَ بصرَك لا تجد لواقعنا إلا حقيقةً واحدة وهى فتكُ الكفار بالمسلمين فتكًا ذريعًا في شتى المجالات وفي شتى البلدان، مع بغيضة مُسْتَكِنَّة في أنفسهم، وهذه حقيقة قرآنية:
- (وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) البقرة 217،
- (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) البقرة 109،
وفي مقابل هذا أمرنا الله بإعداد القوة، وأَمَرَنا بغزوهم في عُقْر دارهم، وهو جهاد الطلب، وهو من أنواع الحرب الوقائية، قال تعالى (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) التوبة 5، وبهذا ظل المسلمون أعزة، وكان الكفار يتربصون للإيقاع بالمسلمين، وفشلوا مرات عديدة، إلا أنهم -وبسبب تفريط المسلمين في إعداد القوة وفي الجهاد- تَمَكّنوا في الوقت الحاضر من الإيقاع بالمسلمين والفتك بهم، هذا الواقع الذي يعبر عنه بصدق قول النبي صلى الله عليه وسلم (يُوْشِك الأممُ أنْ تَداعى عليكم كما تَداعى الأَكَلَةُ إلى قَصْعَتِها! فقال قائل: ومِنْ قِلَّةٍ نحن يومئذ؟! قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غُثاءٌ كغُثاء السَّيل، ولَيَنْزِعَنَّ اللهُ من صدورِ عدوِّكم المَهابَةَ منكم، ولَيَقْذِفَنّ اللهُ في قلوبِكم الوَهْن، فقال قائلٌ: يا رسول الله وما الوهْن؟ قال: حبُّ الدنيا وكراهيةُ الموت) (4) ، وفي رواية الإمام أحمد: (حبُّكم الدنيا، وكراهيتكم القتال) . وأي ذل وهوان أشد من أن يبلغ عدد المسلمين 1200 مليون نسمة -حوالي خُمس سكان العالم- وليست لهم دار إسلام يأوون إليها ولا إمامٌ للمسلمين يلوذون به، غثاء كغثاء السيل.
وقد بدأ فتك الكفار بالمسلمين منذ أكثر من مئة سنة، مع الضعف الشديد الذي دَبّ في جسد الدولة العثمانية حكومةً ورعية، فأخذ الكفار في نهش هذا الجسد وتمزيقه وإفساده حتى لا تقوم له قائمة، وصار الجهاد جهادَ دفعٍ واجبًا على الأعيان.
* وقد اتَّخَذَ فَتْكُ الكفار بالمسلمين عدةَ صور تم التخطيط لها بدقة حتى تُحَقِّق أهدافها، ومن هذه الصور:
1 -التقسيم: على مبدأ"فَرِّقْ تَسُدْ"، ولو اتحدت هذه الدول في دولة واحدة كما كانت في ظل الخلافة الإسلامية لتكونت منها قوة عظمى بشرية واقتصادية وعسكرية.
وقد حاولوا ترسيخ أسباب الضعف والانقسام من خلال: