وفِي رواية سليمان التيمي: "ثم نهض فولى، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: عليَّ بالرجل، فطلبناه كل مطلب فلم نقدر عليه، فقال: هل تدرون من هذا؟ هذا جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم، خذوا عنه، فوالذي نفسي بيده ما شُبِّه علي منذ أتاني قبل مرَّتِي هذه، وما عرفته حَتَّى ولى" .
قَالَ ابن حبان: تفرد سليمان التيمي بقوله: "خذوا عنه" .
قُلْت: وهو من الثقات الأثبات، وفِي قوله: "جاء ليعلم الناس" الإشارة إلَى هذه الزيادة، فما تفرد إلا بالتصريح، وإسناد التعليم إلَى جبريل مجازي؛ لأنه كَانَ السبب [١٠٢/ أ] في الجواب، فكذلك الأمر بالأخذ عنه (١) .
واتفقت هذه الروايات عَلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر الصحابة بشأنه بعد أن التمسوه فلم يَجدوه، وأما ما وقع عند مُسْلِم وغيره من حديث عُمر في رواية كَهْمَس: "ثم انطلق، قَالَ عمر: فلبثت مَلِيًّا، ثم قَالَ: يا عمر، أتدري من السائل؟ قُلْتُ: الله ورسوله أعلم، قَالَ: فإنه جبريل" .
وقد جمع بين الروايتين بعض الشراح بأن قوله: "فلبثت مليًّا" ، أي: زمانًا بعد انصرافه. فكأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعلمهم بدلك بعد مُضي وقت لكنه في ذَلِكَ المجلس.
لكن يعكر عَلى هذا الجمع قوله في رواية النّسَائي والترمذي: "فلبثت ثلاثًا" (٢) ، لكن ادعى بعضهم فيها التصحيف، وأن مليًّا صَغُرَت ميمها فأشبهت ثلاثًا؛ لأن ثلاثًا تُكْتَب بلا ألف، وهذه الدعوى مردودة، فإن في رواية أبي عوانة: "فلبثنا لياليَ، فلقيني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ثلاث" ، ولابن حبان: "بعد ثالثة" ، ولابن منده: "بعد ثلاثة أيام" .