فإن قيل: ظاهره الحصر في الثلاث، فكيف جاء في الحديث الآخر بلفظ: "أربع من كن فيه" الحديث؟
أجاب القرطبي: باحتمال أنه استجد له - صلى الله عليه وسلم - من العلم بخصالهم ما لم يكن عنده.
وأقول: ليس بين الحديثين تعارض؛ لأنه لا يلزم من عَدّ الخصلة كونها علامة (١) ، عَلى أن في رواية مُسْلِم من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ما يدل عَلى إرادة عدم الحصر، فإن لفظه: "من علامة المنافق ثلاث" (٢) ، وكذا أخرج الطبراني في "الأوسط" من حديث أبي سعيد الخدري (٣) ، وإذا حُمل اللفظ الأول عَلى هذا لم يَرد السؤال، فيكون قد أخبر ببعض العلامات في وقت وببعضها في وقت آخر.
وَقالَ القرطبي أيضًا والنووي: حصل من مجموع الروايتين خمس خصال؛ لأنهما تواردتا عَلى الكذب في الحديث، والخيانة في الأمانة، وزاد الأول الخُلْف في الوعد, والثاني الغدر في المُعاهدة، والفُجور في الخصومة.
قُلْتُ: وفِي رواية مُسْلِم للثاني بدل الغَدْر في المُعاهدة: الخُلف في الوعد كما في الأول (٤) ، فكأن بعض الرواة تصرف في لفظه؛ لأن معناهما قد يتحد، وَعَلى هذا فالمزيد خصلة واحدة وهي الفجور في الخصومة، والفجور: الميل عن الحق والاحتيال في رده، وهذا قد يندرج في الخصلة الأولى وهي الكذب في الحديث.
ووجه الاقتصار عَلى هذه العلامات الثلاث؛ لأنها مُنبِّهة عَلى ما عداها؛ إذ أصل الديانة منحصر في ثلاث: القول، والفعل، والنية، فنبه عَلى فساد القول بالكذب، وَعَلى