يقال: مكر زيد بعمر ولا يصح ذلك في حق الله تعالى إلا مقابلة لمكر المخلوق نحو ومكروا ومكر الله وكقوله تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 68]
وتعرف أيضا بأن استحالة نفي اللفظ يدل عليها بخلاف المجاز فإنه يجوز نفيه وذلك لأنه يستحيل أن تقول للإنسان البليد ليس بإنسان ويجوز أن تقول عنه ليس بحمار وتعرف الحقيقة أيضا بصحة الاستعارة من لفظها فلما صح استعارة لفظ الأسد للرجل الشجاع علم أن لفظ الأسد حقيقة في الحيوان المفترس مجاز في الرجل الشجاع.
واعلم أنه لا يلزم أن يكون لكل حقيقة مجاز عقلا والصحيح أنه يلزم كل مجاز أن تكون له حقيقة ولا تتوقف صحة المجاز على نقل استعماله في محله عن العرب على الأظهر اكتفاء بالعلاقة المجوزة كما بيناه سابقا كما أن الاشتقاق والقياس الشرعي واللغوي لا يستلزم ذلك والحق أن أصل المجاز ثابت مطلقا مفردا ومركبا في عموم اللغة وخصوص القرآن وأنه ثابت أيضا في المفرد والمركب على الأظهر فيه وذلك أنك ترى العرب يستعملون لفظ الأسد في الشجاع وأنت خبير بأن الأسد لفظ مفرد دل على مسمى مفرد والشجاع كذلك فهذا يسمى مجازا إفراديا ومجازا في المفردات والمجاز التركيبي هو الواقع في الألفاظ المركبة نحو قول الشاعر:
أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الغداة ومر العشي
فلفظ الزمان الذي هو مرور الليل والنهار حقيقة في مدلوله ولفظ الإشابة حقيقة في مدلوله أيضا وهو تبييض الشعر لنقص الحرارة الغريزية لضعفها بالكبر لكن إسناد الإشابة إلى الزمان مجاز إذ المشيب للناس في الحقيقة هو الله تعالى فهذا مجاز في التركيب أي في إسناد الألفاظ بعضها إلى بعض لا في نفس مدلولات الألفاظ وهكذا كل لفظ كان موضوعا في اللغة ليسند إلى لفظ آخر أسند إلى غير ذلك من اللفظ فإسناده مجاز تركيبي وهذا النوع من المجاز يسميه علماء فن المعاني بالمجاز العقلي وحده عندهم إسناد الفعل أو معناه إلى ملابس له غير ما هو له بتأول وحاصل قوله بتأول أن ينصب المتكلم قرينة صارفة عن أن يكون الإسناد إلى ما هو له ثم اعلم أن التحقيق أن الخلاف ليس في جواز المجاز مطلقا ولا في وقوعه وإنما الخلاف في أن المنقول في هذا المجاز هل هو حكم عقلي أو لفظ وضعي وأنت إذا حققت ذلك وجدت الخلاف لفظيا وحيث