أنه ربما خفي عليه علم كثير من علماء بلده بل ربما لم يعرفهم وما أتى هذا الغبي إلا من داء الجمود الموجب للخلود في حضيض الجهل المركب ألا يرى هذا أن الأئمة المتقدمين كان الواحد منهم يجوب أقطار الأرض لكتابة الحديث وأخذه عن أئمته حتى ليستنزف ما عند غيره ثم قام الجهابذة النقاد فدونوا الحديث ودونوا فنونه ونقحوها وهذبوها ووضعوا كتب أسماء الرجال وبينوا الصحيح من غيره وسهلوا تناول البغية والمطلوب أيما تسهيل بحيث تيسر لمن بعدهم قطوف ثمراته الدانية واستطلاع شموس فوائده من بروجها وهم قارون في بلدانهم مستريحون في بيوتهم لا يحتاجون إلا إلى المطالعة والتنقيب ثم إن من تقدم كانوا يتعبون في نسخ كتب الحديث وغيرها ويبذلون الأموال في طلبها حتى أنشئت المطابع فأغنتهم عن تعب النسخ والتجول للتفتيش على الكتب ولم يزل انتشار كتب العلم في ازدياد فلم يبق لصاحب الهمة فقيه النفس عذر يعتذر به فيالله العجب ممن يتحكم على الله ويحكم على فضله بما تزينه له. نفسه على أننا نقول لمن قطع بخلو العصر من مجتهد أن هذه المسألة التي حكمت بها اجتهادية محضة فإن كان الحكم منك عليها باجتهاد منك فقد أكذبت نفسك حيث اجتهدت أن لا اجتهاد وأمسى كلامك ساقطا وإن كنت حكمت بذلك تقليدا لغيرك قلنا لك المقلد لا يجوز له أن يحكم بشيء مقلدا لمن غلط باجتهاده وذلك أن الذي قلدته إما أن يكون مجتهدا فنعيد عليه الكرة بالاحتجاج السابق وإن كان مقلدا خاطبناه بما خاطبناك به ثم ينقل الكلام إلى الثاني والثالث وما قبلهما فيتسلسل الأمر أو يدور والدور والتسلسل باطلان وقصارى أمر هؤلاء المعاندين أنهم سوفسطائية ينكرون الحقائق إما جهلا مركبا وإما كبرا وعنادا فلذا يجب ترك المشاغبة معهم ويقال لا يجوز خلو عصر عن مجتهد رضيتم أم سخطتم فدعوا العناد وخوضوا بحر الجمود إلى يوم الدين.
فصل: وأما التقليد: فهو في اللغة جعل شيء في عنق الدابة وغيره محيطا قال في النهاية في حديث:"قلدوا الخيل ولا تقلدوها الأوتار"1 أي لا تجعلوا في أعناقها الأوتار فتختنق لأن الخيل ربما رعت الأشجار فنشبت الأوتار ببعض شعبها فخنقتها. وشرعا قبول
1 رواه أبو داود في كتاب الجهاد، باب: إكرم الخيل وارتباطها، والمسح على أكفالها، والنسائي في كتاب الخيل، باب: مايستحب من شية الخيل، وأحمد في"م3/ص352".