المذاهب لا تموت بموت أربابها. وقيل ليس للعامي تقليد الميت إن وجد مجتهدا حيا وإلا جاز. وقيل لا يجوز تقليد الميت مطلقا. قال الفتوحي في شرح مختصر التحرير وهو وجه لها وللشافعية ومن بلغ رتبة الاجتهاد حرم عليه تقليد غيره اتفاقا سواء اجتهد أو لم يجتهد وإليه ذهب أحمد ومالك والشافعي. ولأبي حنيفة روايتان. وقيل يجوز تقليده إن لم يجتهد مطلقا.قال أبو الفرج وحكى عن أحمد وإسحاق والثوري وللمجتهد أن يجتهد ويدع غيره والتوقف من المجتهد في مسألة نحوية أو في حديث بحيث يحتاج إلى مراجعة أهل النحو أو أهل الحديث يجعله في رتبة العامي فيما توقف. فيه عند أبي الخطاب والموفق والآمدي وغيرهم والعامي يلزمه التقليد مطلقا.
التاسعة: هل يجوز خلو العصر عن المجتهدين أو لا؟ ذهب أصحابنا إلى أنه لا يجوز خلو العصر عن مجتهد وإلى ذلك ذهب طوائف ولم يذكر ابن عقيل خلاف هذا إلا عن بعض المحدثين واختاره القاضي عبد الوهاب المالكي وجمع من المالكية ومن غيرهم وصرح به ابن بطال في شرح البخاري واختاره ابن دقيق العيد في شرح العنوان وقال ابن حمدان من أصحابنا ومن زمن طويل عدم المجتهد المطلق مع أنه الآن أيسر منه في الزمن الأول وأطال في بيان أنه متيسر الآن. وحكى مثله النووي في شرح المهذب. وقال الرافعي الناس اليوم كالمجمعين على أنه لا مجتهد اليوم ونقل ابن مفلح كلاهما ثم ذيله بقوله وفيه نظر قال في شرح التحرير وهو كما قال فإنه وجد من المجتهدين بعد ذلك جماعة منهم الشيخ تقي الدين ابن تيمية انتهى. وقد أطال علماء النفس في هذا الموضوع وأورد كل من الفريقين حججا وأدلة وكأن القائلين بجواز خلو عصر عن مجتهد قاسوا جميع علماء الأمة على أنفسهم وخيلوا لها أنه لا أحد يبلغ أكثر من مبلغهم ومن العلم ثم رازوا أنفسهم فوجودها ساقطة في الدرك الأسفل من التقليد فمنعوا فضل الله تعالى وقالوا لا يمكن وجود مجتهد في عصرنا ألبتة بل غلا أكثرهم فقال لا مجتهد بعد الأربعمائة من الهجرة وينحل كلامهم هذا إلى أن فضل الله تعالى كان مدرارا على أهل العصور الأربعة ثم إنه نضب فلم يبق منه قطرة تنزل على المتأخرين مع أن فضل الله تعالى لا ينضب وعطاؤه ومدده لا يقفان عند الحد الذي حده أولئك. فبعيشك قل لي هل وزن القائل بانقطاع الاجتهاد على جميع علماء عصره في جميع الأقطار حتى علم أن واحدا منهم لم يبلغ درجة الاجتهاد ثم حكم بهذا الحكم الجائز على