يحقق النظر بخلاف الإمام أحمد ونحوه فإنه كان لا يرى تدوين الرأي بل همه الحديث وجمعه وما يتعلق به وإنما نقل المنصوص عنه أصحابه تلقيا ممن فيه من أجوبته في سؤالاته وفتاويه فكل من روى منهم عنه شيئا دونه وعرف به كمسائل أبي داود وحرب الكرماني ومسائل حنبل وابنيه صالح وعبد الله وإسحاق بن منصور والمروزي وغيرهم ممن ذكرهم أبو بكر في أول زاد المسافر وهم كثير وروي عنه أكثر منهم ثم انتدب لجمع ذلك أبو بكر الخلال في جامعه الكبير ثم تلميذه أبو بكر في زاد المسافر فحوى الكتابان علما جما من علم الإمام أحمد رضي الله عنه من غير أن يعلم منه في آخر حياته الأخبار بصحيح مذهبه في تلك الفروع غير أن الخلال يقول في بعض المسائل هذا قول قديم لأحمد رجع عنه لكن ذلك يسير بالنسبة إلى ما لم يعلم حاله منها ونحن لا يصح لنا أن نجزم بمذهب إمام حتى نعلم أنه آخر ما دونه من تصانيفه ومات عنه أو أنه نص عليه ساعة موته ولا سبيل لنا إلى ذلك في مذهب أحمد والتصحيح الذي فيه إنما هو من اجتهاد أصحابه بعده كابن حامد والقاضي وأصحابه ومن المتأخرين الشيخ أبو محمد المقدسي رحمة الله عليهم أجمعين لكن هؤلاء بالغين ما بلغوا لا يحصل الوثوق من تصحيحهم لمذهب أحمد كما يحصل من تصحيحه هو لمذهبه قطعا فمن فرضناه جاء بعد هؤلاء وبلغ من العلم درجتهم أو قاربهم جاز له أن يتصرف في الأقوال المنقولة عن صاحب المذهب كتصرفهم ويصحح منها ما أدى اجتهاده إليه وافقهم أو خالفهم وعمل بذلك وأفتى وفي عصرنا من هذا القبيل شيخنا الإمام العالم العلامة تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية الحراني حرسه الله تعالى فإنه لا يتوفق في الفتيا على ما صححه الأصحاب من المذهب بل يعمل ويفتي بما قام عليه الدليل عنده فتكون هذه فائدة خاصة بمذهب أحمد وما كان مثله لتدوين نصوصه ونقلها والله تعالى أعلم بالصواب هذا كلام الطوفي نقلناه برمته لنفاسته.
السادسة: يجوز للعامي تقليد المجتهد بالاتفاق ولا يجوز ذلك لمجتهد اجتهد وغلب على ظنه أن الحكم كذا بالاتفاق أيضا أما من لم يجتهد في الحكم بعد وهو متمكن من معرفته بنفسه بالقوة القريبة من الفعل لكونه أهلا للاجتهاد فلا يجوز له تقليد غيره أيضا مطلقا لا لأعلم منه ولا لغيره لا من الصحابة رضي الله عنهم ولا لغيرهم لا للفتيا ولا للعمل لا مع ضيق الوقت ولا مع سعته هذا ما اقتضاه مسلك المحققين من