تتفاضل وكان السلف كلهم من أشد الرادين على جهم ونسبته إلى التعطيل المحض وهو أيضا موافق للمعتزلة في نفي رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة وفي إثبات خلق الكلام وإيجاب المعارف بالعقل قبل ورود الشرع وقد شن الغارة على جهم وأتباعه وإخوانه من المبتدعة أساطين العلماء وردوا استدلالهم وأكثر من نصب نفسه لبيان الحق والرد عليهم من طريقي العقل والنقل الإمام أبو محمد علي بن أحمد بن حزم الظاهري ثم شيخ الإسلام أحمد بن تيمية الحراني ثم صاحبه شمس الدين محمد بن قيم الجوزية قدس الله أسرارهم فمن أراد الاطلاع على كسر جيوشهم وغلبتهم في ميدان الاستدلال فعليه بكتب هؤلاء الأعلام ولو أننا اشترطنا في كتابنا هذا الاختصار لاقتفينا أثر أولئك النجوم فاهتدينا بهم وعسانا إن شرعنا بشرح نونية ابن القيم أن نأتي بما يكفي ويشفي.
الموضع الثالث ذكر الإمام رضي الله عنه المعتزلة وهم طوائف كثيرة استوفى أقسامها من ألف في الملل والنحل كأبي منصور البغدادي وأبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني ولكنهم على كثرتهم يعمهم القول بأصول اتخذوها أساسا لمداركهم ونحلتهم وهي قولهم إن الله تعالى قديم والقدم أخص وصف ذاته ونفوا الصفات القديمة أصلا فقالوا هو عالم بذاته قادر بذاته لا بعلم ولا قدرة وحياة هي صفات قديمة ومعان قائمة به لأنه لو شاركته الصفات في القدم الذي هو أخص الوصف لشاركته في الألهية واتفقوا على أن كلامه محدث مخلوق في محل وهو حرف وصوت كتب أمثاله في المصاحف حكايات عنه فأينما وجد في المحل عرض فقد فني في الحال واتفقوا على أن الإرادة والسمع والبصر ليست معاني قائمة بذاتها لكن اختلفوا في وجوه وجودها ومحامل معانيها واتفقوا على رؤية الله تعالى بالأبصار في دار القرار ونفي التشبيه عنه من كل وجه جهة ومكانا وصورة وجسما وتحيزا وانتقالا وزوالا وتغيرا وتأثرا وأحبوا تأويل الآيات المتشابهة التي يشتبه فيها وسموا هذا النمط توحيدا واتفقوا على أن العبد قادر خالق لأفعاله خيرها وشرها مستحق على ما يفعله ثوابا وعقابا في الدار الآخرة والرب منزه أن يضاف إليه شر وظلم وفعل هو كفر ومعصية لأنه لو خلق الظلم كان ظالما كما لو خلق العدل كان عادلا واتفقوا على أن الحكيم لا يفعل إلا الصلاح والخير ويجب من حيث الحكمة رعاية مصالح العباد وأما الأصلح والألطف ففي وجوبه خلاف عندهم وسموا هذا النمط عدلا واتفقوا على أن المؤمن إذا خرج من الدنيا على طاعة وتوبة