روي أن النبي صلى الله عليه وسلم آلى من نسائه شهرا فأقام في مشربة له تسعا وعشرين ثم دخل عليهن.
فقيل له: إنك آليت شهرا فقال: الشهر هكذا وهكذا وأشار بأصابعه العشر وقبض إبهامه في الثالثة يعني تسعة وعشرين وجاء في حديث صحيح أنه قال الشهر تسع وعشرون هكذا بلفظه وهو بيان قولي فقد تضمن هذا الحديث نوعي البيان القولي والفعلي ومن البيان الفعلي قوله عليه الصلاة والسلام:"صلوا كما رأيتموني أصلي"1"وخذوا عني مناسككم"2. أي انظروا إلى فعلي في الصلاة والحج فافعلوا مثله فكان فعله فيهما مبينا لقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} [البقرة: 43] {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] .
الثالث: إقرار النبي صلى الله عليه وسلم على فعل وإن أردت القاعدة العمومية للبيان فقل كل مقيد من الشرع بيان ولنذكر بعض أمثلة لذلك تبين المرام. منها: أن يستدل الشارع استدلالا عقليا فيبين به العلة ومأخذ الحكم أو فائدة ما كقوله تعالى في صفة ماء السحاب {فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ} [فاطر: 9] وفي موضع آخر: {كَذَلِكَ الْخُرُوجُ} [ق: 11] فبين لنا تعالى بذلك طريق الاستدلال على إمكان البعث والمعاد ولولا هذا الطريق الذي فتحه الله للمؤمنين لما اجترأ متكلموهم أن يستدلوا عليه ولا أن يتكلموا مع الفلاسفة المنكرين له فيه وأمثال هذه الآية كثير وجميع استدلالات القرآن عقلية وهي مفيدة للبيان ومنها أن يترك عليه السلام فعلا قد أمر به أو قد سبق منه فعله فيكون تركه له مبينا لعدم وجوب مثاله أنه قيل له: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة: 282] ثم إنه اشترى فرسا من أعرابي ولم يشهد عليه. ومنها السكوت بعد السؤال عن حكم الواقعة فيعلم أنه لا حكم للشرع فيها
وههنا مسائل أولها البيان بالفعل أقوى من البيان بالقول. ثانيها تبين الشيء بأضعف منه كالقرآن بأحاديث الآحاد جائز. ثالثها تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع وتأخيره عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة جائز عند ابن حامد والقاضي
1 رواه الدارقطني في كتاب الصلاة"ج1/ص273"، والبيهقي في السنن الكبرى"2: 345"، وابن عبدالبر في التمهيد"5: 117"، وابن حجر في تلخيص الحبير"2: 122".
2 رواه أبو داود في كتاب المناسك، باب: في رمي الجمار، والنسائي في كتاب المناسك، باب: الركوب إلى الجمار واستظلال النحرم، ومسلم في كتاب الحج، باب: 310، وأحمد في"م3/ص318".