الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي والوضوح وينبغي أن يزاد هذا التعريف بالفعل أو بالقوة لأن الكلام قد يرد بينا بالفعل وهو مع ذلك مشكل بالقوة أي قابل لعروض الإشكال له من ذاته بتقدير تغير صفته أو من خارج وبيان ذلك بالمثال وهو أن بعض الحنفية قال نقل عن أبي حنيفة أنه قال لا يدخل النار إلا مؤمن وظاهر هذا مع قوله عليه السلام لا يدخل الجنة إلا المؤمنون مشكل لأنه يقتضي أن أهل الجنة والنار جميعا مؤمنون وليس كذلك للاتفاق على أن أهل النار كفار وأنه لا يخلد بها إلا كافر لكن أبو حنيفة ألحق بكلامه بيانا بينه وأظهر معناه المراد له بأن قال لا يدخل النار إلا مؤمن لأن. الكفار حينئذ يعاينون ما كانوا يوعدون فيؤمنون به ويصدقون لكن إيمانا لا ينفعهم لأنه اضطراري لا اختياري ولقوله عز وجل: {لَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} [غافر: 85] وقوله عز وجل لفرعون حين قال لما أدركه الغرق: آمنت {آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ} [يونس: 91] فقد حصل من هذا أن كلام أبي حنيفة مشكل بالفعل فاحتاج إلى البيان. وأما المبين به وهو ما يحصل به البيان فإنه يكون بأمور:
أحدها: القول بأن يقول المتكلم أو من علم مراد المتكلم المراد بهذا الكلام كذا كقوله تعالى: {الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ} [القارعة: 13] . فهذا إجمال ثم بينه بقوله: {يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ} [القارعة: 4] وكذا الآية بعدها فبين أن القارعة تكون ذلك اليوم بهذه الصفة العظيمة ونظائر هذه الآية في القرآن الكريم والسنة النبوية كثيرة وتكون السنة مبينة للقرآن كقوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60] فإن القوة مجملة ولكن بينها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:"ألا إن القوة الرمي"1. ثم كرر هذه الجملة تأكيدا.
الثاني: الفعل ويكون بالكتابة ككتابة النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين بعده وغيرهم من أهل الولايات إلى عمالهم في الصدقات وغيرها من السياسيات ويكون بالإشارة كما
1 رواه مسلم في كتاب الإمارة، باب: 167، وأبو داود في كتاب الجهاد، باب: في الرمي، والترمذي في كتاب تفسير سورة، باب: 8، وابن ماجه في كتاب الجهاد، باب: في سبيل الله، والدارمي في كتاب الجهاد، باب: في سبيل الله، والدرامي في كتاب الجهاد، باب: في فضل الرمي والأمر به، وأحمد في"م4/ص157".