الصفحة 40 من 59

قصيرة، حيث اعتمد سياسة السيطرة المطلقة أو التخلي المطلق، فقدت الدولة العثمانية المحور الذي يضم البلقان والشرق الأوسط، أي الركن الأساسي الذي تعتمد عليه الدولة في وضعها كدولة من الدول العظمى. كما أن التأرجح ما بين طرفي السياسة قد عمل على تضييق الأفق الاستراتيجي الدولي في تقاليد السياسة الخارجية العثمانية/التركية، وأضعف خياراتها التكتيكية، وأزال تأثيرها على المناطق المجاورة، ووضعها في حلقة مفرغة توجّهها تجاذبات السياسة الداخلية والتهديدات الخارجية، بل لم يتحقق الانسجام بين ضرورات السياسة الخارجية وبين الثقافة السياسية الداخلية [1] .

لقد عمل عبد الحميد الثاني على ترسيخ السياسة التوازنية إزاء المصالح الاستراتيجية للقوى العظمى، عبر موازنة القوى بين القريب العدو المؤثر (روسيا) والعدو البعيد الكامن (بريطانيا) ، وأصبحت التحالفات والائتلافات المتعاقبة داخل أوروبا، تقليدًا للسياسة الخارجية، مطبّقًا السياسة المذكورة من خلال دبلوماسية دقيقة ومرنة. وحاول عبد الحميد الثاني تكوين ساحة تأثير تتحقق فيها مصالح دولية أو ما يسمى الحديقة الخلفية، والتي تتمثل في المسلمين الذين يعيشون تحت الاستعمار خارج حدود الدولة العثمانية. وظهر تعريف جديد لمفهوم الحديقة الخلفية في عهد الاتحاد والترقي مختلف عما كان عليه في العهد العثماني في إطار من النزعة القومية التركية، فاستمر الاتحاديون في استخدام فكرة الوحدة الإسلامية [2] كأداة تكتيكية ضد الدول الاستعمارية، وأدرك زعماء الاتحاد والترقي أن مكانة وقوة الدولة العثمانية في النظام الدولي ناتجة عن وضعها كدولة حامية للمسلمين في مواجهة القوى الاستعمارية، لذا فقد تمّ الاهتمام بالحفاظ على العلاقة بين الدولة والشعوب الإسلامية. وكان

(1) - المصدر نفسه، 76.

(2) - استخدم نظام الخميني بعد ثورة 1979، شعار الوحدة الإسلامية كأداة تكتيكية مماثلة لتوسيع نفوذ إيران خارج الحدود، ولفتح ساحات تأثير، وإيجاد مناخات ملائمة لنشر المذهب دون احتقانات كبيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت