الصفحة 39 من 59

ومع مرور الزمن أصبحت وجهة النظر الجامدة هذه التي تستند إلى استراتيجية دفاعية على طوال الحدود الحدودية للدولة العثمانية، تقليدًا متبعًا في سياستها الخارجية. ومع ظهور نتائج استراتيجيات الدول الكبرى، أخذت الخطوط العثمانية تنسحب إلى الوراء شيئًا فشيئًا، وأصبحت الجهود تنصب على المحافظة على الأوضاع الثابتة الجديدة. وهكذا كلما فُقدت قطعة جديدة من الأراضي، عاشت الدولة في حالة من الارتباك نتيجة قلقها على الأراضي الموجودة حتى لا تفلت من يدها، كما قطعت العلاقة مع المناطق الموجودة خلف الخطوط الجديدة. واتخذت الخطة الاستراتيجية في هذا المجال خيارًا متوسطًا بين حدّين متطرفين: الأول يدعو إلى السيطرة المطلقة، والثاني يدعو إلى التخلي المطلق ونسيان البلاد التي خرجت عن نطاق سلطة الدولة، وأصبح الهمّ هو الدفاع عن الخطوط الجديدة. وأدى ذلك إلى عرقلة كل الجهود الرامية إلى تكوين معادلة تكتيكية لساحات التأثر الواقعة بين السيادة المطلقة والتخلي المطلق، وعرقلة الجهود الرامية للحفاظ على الخطوط الحدودية عن طريق المناورات الدبلوماسية الخارجية، وتشكيل ساحات مناورة تكتيكية عن طريق استغلال صراع المصالح بين القوى الكبرى" [1] . وعليه، يعتبر أوغلو أن السلطان عبد الحميد الثاني اتبع سياسة توسعية مختلفة عن التقليد السائد في فترات التراجع، وهي من الاستثناءات المهمة في المراحل الأخيرة للدولة العثمانية، حيث من الواضح أن عامل التأثير الذي شكّله السلطان على المسلمين الواقعين تحت حكم الاستعمار خلف الحدود قد أخّر ومنع السياسات التوسعية التي طمحت إليها القوى الكبرى المعادية للدولة العثمانية. لأجل ذلك، لم تفقد الدولة العثمانية شيئًا من أراضيها طوال مدة حكمه لمدة 33 سنة، باستثناء الأراضي التي فُقدت في حرب 1893 [2] ، في حين أنه في بداية عهد الاتحاد والترقي، وهي فترة"

(1) - المصدر نفسه، ص75 - 76.

(2) - خسرت الدولة العثمانية بلغاريا عام 1893.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت