تراود الخبراء في إمكانية حكم ليبيا بعد القذافي كما كان عليه الحال في عهده الذي استمر لأكثر من أربعة عقود، أي على طريقة المركز المتحكّم والأطراف المهمّشة، في الشرق خاصة، بعد انقلاب المعادلة، وتولي الشرق إطلاق شرارة تحرير بقية ليبيا من حكم الطغيان، مع احتمالات قيام دولة ضعيفة بعد تدمير معظم إمكانياتها في الحرب الشرسة، وهذه الدولة الناشئة والقائمة على بحر من الدماء، مع تورط فئات موالية للقذافي في عمليات القتل والاغتصاب بتحريض منه، هو ما يجعل إعادة اللحمة في بلد تسوده الروابط القبلية، مسألة صعبة حيث من الممكن أن تمتد الآثار السلبية لمدى غير معلوم، مع عدم إغفال مسألة حساسة، وهي أن القوى الغربية الداعمة للثوار، قد أخذت عهودًا من قادة المجلس الانتقالي، ليس فقط بالتبرؤ مسبقًا من التشكيلات الجهادية، بل بالتزام معايير مكافحة الإرهاب بعد الخلاص من القذافي، وهذه ستكون من أبرز المعضلات التي ستواجه الحكام الجدد في اليوم التالي لسقوط النظام، ما لم يلتزم هؤلاء بمنهج مستقل عن التأثير الغربي المتزايد بسبب ظروف الحرب. أما العامل الأبرز الذي قد يحكم المرحلة المقبلة، فهو الواقع الجغرافي لليبيا الذي أتاح في الماضي - وطيلة قرون طويلة - قيام ثنائية إقليميْ برقة وطرابلس، مع بروز إقليم فزان في الجنوب أحيانًا. وعلى هذا الأساس، نشأت ليبيا الحديثة بعد الاستقلال كدولة اتحادية فدرالية قبل التوحّد في دولة مركزية. والعامل الجغرافي إلى جانب العوامل الأخرى المشار إليها، قد يجعل ليبيا ما بعد القذافي، أمام احتمال جدّي للانقسام السياسي ليس بالضرورة وفق الشكل السابق، أو لقيام دولة هشة تتعدّد فيها مراكز القوى السياسية والجغرافية، كمرحلة انتقالية على الأقل. بل إن ما يمكن فهمه من مبادرات السلام المتعددة، والعمليات الأطلسية التي ترسّخ معادلة توازنية بين الطرفين، بدلًا من حسم الصراع بسرعة، أنها تلتقي على دعم تسوية سياسية رضائية، بين النظام القائم في طرابلس أو بنيته الأساسية من روافد قبلية، وبين ما يمثله المجلس الوطني الانتقالي في بنغازي، بعد إقرار موازين القوى بين