الصفحة 17 من 59

الباب لخلق الحساسيات الإقليمية والمقارنات والموازنات التنافسية بين الولايات المكونة لها حتى تراكمت الحساسيات مع الولاءات القبلية، واتخذ الوضع منحى خطيرًا بعد ظهور البترول، وجاء انبثاق البترول أساسًا في حوض سرت، حلقة الانقطاع العمراني بين نواتي المعمور الفعال في طرابلس وبرقة، ما أوجد نواة جديدة من العمران اللاحم بين النواتين، وبؤرة لامّة تجمعت حولها آمال الأقاليم المختلفة بحيث أصبح البترول أداة توحيد داخلي. لهذا، وبعد عامين من تدفق البترول، أُعلنت دولة أحادية موحدة في عام 1963، وأعيد تقسيمها إداريًا إلى عشر محافظات تفاديًا للمنطق الإقليمي [1] .

في البداية انبثق البترول على جانبي خط الحدود الولائية بين برقة وطرابلس، فبدأ الاهتمام بالتوزيع الإقليمي للبترول واشتد أصبح ظاهرة مقلقة ثم أصبحت معظم أهم حقول النفط في برقة، وحتى كاد أن يكون حوضًا برقاويًا [2] . وانتقل مركز الثقل وخارج كل توازن إلى برقة بسبب البترول الذي أذاب روح الإقليمية الضيقة ومنطق العزلة، وقرّب بين حجم ووزن كل من شقي الأمة، لكن ظلت آثارها ومخلفاتها في تكوين العاصمة، إذ هي عاصمتان فعليًا [3] . ولربما كان أحد أسباب نجاح القذافي في الإمساك بزمام الأمور لأكثر من أربعة عقود، انتماؤه القبلي والجغرافي [4] ، إلى تلك المنطقة الوسطى بين الشرق والغرب، حيث تلاعب طويلًا بالحساسيات القبلية والجهوية، كي يضمن بقاء سلطته.

لقد اتخذ النظام السنوسي من البترول في الداخل أداة للمضاربات الإقليمية (الجهوية) ، وكان التوجه العام عزل ليبيا عن الذاكرة العربية عامة، ومصر خاصة،

(1) - المصدر السابق، ص81 - 83.

(2) - المصدر السابق، ص190.

(3) - المصدر السابق، ص190 - 191.

(4) - ولد معمر القذافي في الهلال النفطي، في منطقة سرت، وعاش لدى أخواله في سبها عاصمة فزان، للمزيد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت