ورغم أن ليبيا كانت مسرحًا رئيسيًا للقتال لكن المفاتيح الاستراتيجية بقيت خارج الحدود،"ودارت على أرضها المعارك المتعددة بلا انقطاع، والمعارك الفاصلة التي حسمت الصراع وقعت خارجها أو على أبوابها، وكان الخط الساحلي الممتد لنحو 1500 ميل مجرد قناة انزلاق يمينًا ويسارًا، وفي هذا بالدقة يتحدّد دور ليبيا الجيواستراتيجي أنها أساسًا ممر ممدود وطريق بلا حدود أكثر منها قاعدة أساسية أوموقعًا حاكمًا" [1] .
ومن الحقائق الجيوبوليتيكية المثيرة أن ليبيا كما وقعت في البداية تحت الاستعمار نتيجة للعبة القوى بين إيطاليا وفرنسا وبريطانيا، حصلت على الاستقلال في النهاية بفضل صراع القوى، والفارق بين الحالتين هو التواطؤ والاتفاق على التقاسم في الأولى، والتضارب والعجز عن الاتفاق إلى حدّ الحرمان المتبادل في الثانية [2] . فقد كان الاتجاه السائد إما فرض وصاية الأمم المتحدة على ليبيا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، أو فرض وصاية دول محدّدة من القوى الكبرى، وبين هاتين ظهرت كل الصيغ الممكنة، ابتداء من عودة إيطاليا إلى الوصاية الكاملة على كل ليبيا، أو الوصاية الجزئية على إقليم فيها، اقتسام الوصاية بين بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، أو استبعاد إيطاليا تمامًا، واقتسام الوصاية بين بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة، أو حتى بين بريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفياتي، فضلًا عن اقتراح بوصاية جامعة الدول العربية أو مصر بالذات، إن كان لا بد من الوصاية، وفي هذا الصراع المعقد المتعدد الأطراف كانت إيطاليا تريد العودة إلى طرابلس، وفرنسا لاستعادة فزان، وبريطانيا تريد برقة التي تحتلها، ثم اقترح السوفيات أن تكون لهم الوصاية على طرابلس، فسارع الغرب لاقتراح الاستقلال التام لليبيا [3] ، التي وجدت نفسها أمام استعمار
(1) - المصدر السابق، ص69 - 70.
(2) - المصدر السابق، ص73 - 74.
(3) - المصدر السابق، ص76 - 77.