إلى حدّ ما على التركيب السياسي لليبيا المستقلة، فأصبحت طرابلس أكثر انفتاحًا على الغرب واحتكاكًا به، وأكثر تعرضًا لأخطاره الاستعمارية وجالياته المتزايدة، كما أصبحت مدنه أكثر تأثرًا بالطابع الأوروبي، وصارت برقة أكثر عزلة وانطواء، والتراث العربي أغلب على طابعها وعلى مدنها، والوجود الأجنبي والخطر الاستعماري أقل كثافة وتهديدًا نسبيًا [1] .
وموقع ليبيا الجغرافي، كان نموذجًا مثاليًا للاستعمار الاستراتيجي، فهي"لا تتوسط ساحل البحر المتوسط الجنوبي في مواجهة إيطاليا مباشرة وحسب، ولكنها كانت تقع بين قوسي الاستعمار البريطاني في شمال شرقي إفريقيا والفرنسي في شمالها الغربي، وهي بذلك خشبة قفز من القاعدة الأم، وموطئ قدم على اليابس الإفريقي ورأس حربة داخل محيط الاستعمار القديم، وبهذا لم يكن الهدف الإيطالي من استعمار ليبيا عام 1911 أن تقوم قاعدة أمامية للزحف شرقًا أو جنوبًا في اتجاه واحد، ولكن دائريًا يمينًا ويسارًا شأنها شأن الجزائر في المغرب الفرنسي [2] . وقيّض لهذه التجربة أن تثبت على الأقل قيمة ليبيا البالغة كموقع استراتيجي دقيق وكموقعة حربية هامة" [3] .
(1) - المصدر السابق، ص38.
(2) - المصدر السابق، ص64.
(3) - المصدر السابق، ص66.