كان سكان ليبيا 750 ألف نسمة، كان سكان طرابلس 60 ألفًا ولم تكن بنغازي لتتجاوز 15 ألفًا [1] .
واعتمدت إيالة طرابلس على مصدرين خارجيين أساسيين هما: تجارة القوافل ومكاسب القرصنة البحرية، فما بين الظهير الجبلي الطارد والساحل الغني بالمراسي المحمية المنيعة، تحول ساحل البربر إلى بيئة صالحة لنشاط القراصنة. ووصل الأوج في القرون 17 - 19، وكان لطرابلس الدور الكامل، ودخلت لعبة صراع القوة في البحر المتوسط، ما دفع عددًا من القوى الأوروبية لتجريد حملات على طرابلس خلال القرنين 18 و19. وشهدت طرابلس نفوذًا أوروبيًا متزايدًا مع انجذابها إلى البحر باطراد، ونحو النفوذ الأوروبي سياسيًا وحضاريًا، بينما كانت برقة تخضع لقوة مركزية نحو الداخل، وتتجه في عزلة متزايدة نحو القارة جنوبًا، ونحو الصحراء بعيدًا عن مؤثرات أوروبا والغرب، وهنا نشأت الحركة السنوسية، وهي واحدة من الحركات الدينية السياسية الصحراوية. وقد اتخذت من أعماق الصحراء معقلًا تحتمي فيه وتقفز منه بحرب العصابات على الوجود الغربي الاستعماري [2] . وقد اعتمد الهيكل المادي للسنوسية على شبكة من الزوايا أشبه بالرباطات التي تجمع بين الإنتاج والدفاع، موزّعةً في واحات الصحراء المحمية والاستراتيجية حربيًا وتجاريًا. وقامت الزاوية الأولى في الجبل الأخضر، ثم انتقل إلى الجغبوب ثم إلى الكفرة التي دخلت حينئذ لأول مرة إلى الإسلام (ومن هنا الاسم) ، وهذا الانتقال الجغرافي يشكل هجرة منتظمة إلى الجنوب [3] .
وعلى ما سبق، يمكن القول إن كلًا من برقة وطرابلس"اتخذ خطًا تطوريًا سياسيًا مختلفًا إلى حدّ معين، حيث ستزداد الزاوية بينهما انفراجًا في المستقبل، وستنعكس"
(1) - المصدر السابق، ص32 - 33.
(2) - المصدر السابق، ص34 - 35.
(3) - المصدر السابق، ص36.