فهرس الكتاب

الصفحة 371 من 2516

فصل

وقد نص أحمد على نفس هذه [ المسألة ] في غير موضع، فروى أبو القاسم اللالكائي في [ أصول السنة ] قال: أخبرنا الحسن بن عثمان قال: حدثنا عمرو بن جعفر قال: حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي قال: قلت لأحمد بن حنبل: إن الناس قد وقعوا في القرآن، فكيف أقول ؟ فقال: أليس أنت مخلوقا ؟ قلت: نعم . قال: فكلامك منك مخلوق ؟ قلت: نعم . قال: أفليس القرآن من كلام الله ؟ قلت: نعم . قال: وكلام الله من الله ؟ قلت نعم . قال: فيكون من الله شيء مخلوق ؟ !

/ بين أحمد للسائل: أن الكلام من المتكلم وقائم به، لا يجوز أن يكون الكلام غير متصل بالمتكلم، ولا قائم به؛ بدليل أن كلامك أيها المخلوق منك، لا من غيرك، فإذا كنت أنت مخلوقًا وجب أن يكون كلامك ـ أيضًا ـ مخلوقا، وإذا كان الله ـ تعالى ـ غير مخلوق امتنع أن يكون ما هو منه وبه مخلوقا .

وقصده بذلك الرد على [ الجهمية ] الذين يزعمون أن كلام الله ليس من الله ولا متصل به، فبين أن هذا الكلام ليس هو معنى كون المتكلم متكلما، ولا هو حقيقة ذلك، ولا هو مراد الرسل والمؤمنين، من الإخبار عن أن الله قال، ويقول، وتكلم بالقرآن، ونادى، وناجى، ودعا، ونحو ذلك مما أخبرت به عن الله رسله، واتفق عليه المؤمنون به من جميع الأمم؛ ولهذا قال تعالى: { وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي } [ السجدة: 13 ] ، وقال: { تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ } [ الزمر: 1 ] ، وقال تعالى: { وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ } [ النمل: 6 ] ، وقال تعالى: { الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ } [ هود: 1 ] .

وليس القرآن عينا من الأعيان القائمة بنفسها حتى يقال: هذا مثل قوله: { وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ } [ الجاثية: 13 ] ، وإنما هو صفة كالعلم، والقدرة، والرحمة، والغضب، والإرادة، والنظر، والسمع ونحو ذلك، وذلك لا يقوم إلا بموصوف، وكل معنى له اسم / وهو قائم بمحل، وجب أن يشتق لمحله منه اسم، وألا يشتق لغير محله منه اسم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت