والمقصود هنا أن هؤلاء لما كان هذا أصلهم في ابتداء الخلق - وهو القول بإثبات الجوهر الفرد ـ كان أصلهم في المعاد مبنيًا عليه فصاروا على قولين:
منهم من يقول: تعدم الجواهر ثم تعاد . ومنهم من قال: تتفرق الأجزاء ثم تجتمع، فأورد عليهم الإنسان الذي يأكله حيوان، وذلك/ الحيوان أكله إنسان آخر، فإن أعيدت تلك الأجزاء من هذا لم تعد من هذا . وأورد عليهم أن الإنسان يتحلل دائمًا فما الذي يعاد أهو الذي كان وقت الموت ؟ فإن قيل بذلك، لزم أن يعاد على صورة ضعيفة، وهو خلاف ما جاءت به النصوص، وإن كان غير ذلك، فليس بعض الأبدان بأولى من بعض . فادعى بعضهم أن في الإنسان أجزاء أصلية لا تتحلل، ولا يكون فيها شيء من ذلك الحيوان الذي أكله الثاني، والعقلاء يعلمون أن بدن الإنسان نفسه كله يتحلل، ليس فيه شيء باق، فسار ما ذكروه في المعاد مما قوي شبهة المتفلسفة في إنكار معاد الأبدان، وأوجب أن صار طائفة من النظار إلى أن الله يخلق بدنًا آخر تعود الروح إليه .
والمقصود تنعيم الروح وتعذيبها سواء كان هذا في البدن أو في غيره، وهذا ـ أيضًا ـ مخالف للنصوص الصريحة بإعادة هذا البدن . وهذا المذكور في كتب الرازي، فليس في كتبه وكتب أمثاله في مسائل أصول الدين الكبار القول الصحيح الذي يوافق المنقول والمعقول، الذي بعث الله به الرسول، وكان عليه سلف الأمة وأئمتها، بل يذكر بحوث المتفلسفة الملاحدة، وبحوث المتكلمين المبتدعة الذين بنوا على أصول الجهمية والقدرية في مسائل الخلق، والبعث والمبدأ، والمعاد، وكلا الطريقين فاسد؛ إذ بنوه على مقدمات فاسدة، والقول الذي عليه /السلف وجمهور العقلاء من أن الأجسام تنقلب من حال إلى حال، إنما يذكره عن الفلاسفة والأطباء . وهذا القول ـ وهو القول في خلق الله للأجسام التي يشاهد حدوثها أنه يقلبها ويحيلها من جسم إلى جسم ـ هو الذي عليه السلف والفقهاء ـ قاطبة ـ والجمهور .